|
قال رسول الله(ص): (أيُّها النّاس لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباداً لله إخواناً).
يتناول الحديث الشريف مجموعة من الخصال التي ينهانا النبيّ(ص) عن الإتصاف بها وسيكون الحديث هنا عن واحدة منها، وهي صفة الحسد.
الحسد أحد الأمراض الخطيرة التي يصاب بها الإنسان، والتي تجعل من حياته مرتعاً للألم والحسرة، فالحاسد يعيش عيشة نكداً؛ ذلك أنّه يتقطّع غيظاً لكلّ نعمة ينعم بها الله على العباد.
الإسلام العظيم يطرح في نظريته الإجتماعية أنواعاً مختلفة من العلاجات، فهو يحثّ على معالجة النفس وإبعادها عن ساحة الأمراض النفسية، بنفس المستوى الذي يحث فيه على تجنُّب الأمراض التي تصيب جسم الإنسان عادةً.
والقرآن الكريم، وأحاديث النبي(ص) وأهل بيته الطاهرين(ع)، تخصّص مساحة كبيرة لهذا الجانب الروحي في حياة المجتمع وتربأُ بالإنسان عن التدنّي إلى مستويات أخلاقية تفقده الكثير من ملامح إنسانيته؛ لذا نجد عليّاً(ع) يقول في بعض كلامه: (ونسأله المعافاة في الآديان كما نسأله المعافاة في الأبدان).
ذمّ الإسلام الحسد ذمّاً شديداً، فجاءت الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة دالّة على ذلك. ولعلّ سبب التركيز الواضح على تجنب هذه الحالة، هو أنّ الحسد يمكن أن يفسد كلّ العلاقات المتعارفة في حياتنا، كعلاقة الزوج بزوجته، والصديق بصديقه، والأخ بأخيه ولا يستثنى من تلك العلاقات سوى علاقة الأبن بأبويه وبالعكس، فإنّ هذه العلاقة تتمتع بمناعة ذاتية ضد هذا الوباء الفتّاك.
هناك حالة قد يقع الخلط بينها وبين الحسد، وهي الغبطة، إلاّ أنّها غير الحسد قطعاً، فالحسد يعرف بأنه: (تمنّي زوال نعمة الغير) الغبطة هي: الفرح للمؤمن إذا أصابه خير مع تمنّي مثله للنفس، وهذا أمر لا بأس به.
إنّ الإنسان بحاجة إلى أن يكون على حذر دائم من الحسد، لأنّه أصل الكفر، يقول النبيّ الأكرم(ص): (إيّاكم أن يحسد بعضكم بعضاً فإن الكفر أصله الحسد)، ومن أبسط أضرار الحسد أن يكون صاحبه في حالة ظنك وضيق، يشعر وكانّه سجين في هذه الدُّنيا، وتظهر عليه آثار ذلك، هذا فضلاً عمّا يلحقه بالآخرين من الأذى بسبب حسده لهم، فإنّ النبيّ(ص) يقول: (كاد الحسد ان يسبق القدر).
النبي(ص) عانى كثيراً من ذلك؛ لأنّه لما يتمتع به من مواهب وكفاءات، كان محطّ أنظار النّاس، وقد صعب على الكثير من قومه ـ بما في ذلك بعض قرابته ـ أن يتحملوا وجوده المبارك بينهم، فحسدوه وتمنّوا قتله، فأوحى الله تعالى له قرآناً يقرؤُهُ ليتقي شرّ حسدهم، وهو قوله تعالى: (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لمّا سمعوا الذكر ويقولون إنّه لمجنون)[1].
فكان النبيّ(ص) يعيذ نفسه منهم بقراءة هذه الآية الشريفة، رغم أنّه كان يرأف بحالهم، وكما قال الشاعر:
ضمّت قلوبهم من الإسعار
في جنّة وقلوبهم في نار
إنّي لأرحم حاسديَّ لحرّ ما
نظروا صنيع الله بي
وقد علّمنا القرآن الكريم كيف نتقي شرور الحاسدين، فقال تعالى: (ومن شرّ حاسد إذا حسد)[2]، وورد الحث على التصدّق لدفع شرّ العين الحاسدة، أو قراءة آية الكرسي التي كان أئمة الهدى يواظبون على قراءتها، وبالأخص الإمام الحسن(ع)، الذي كان يوصي بها أصحابه دائماً؛ إذ يقول: (من قرأها أصبح في ذمّة الله حتّى يقرءها ثانية).
تتعدد مناشيء الحسد وتتنوع، فقد يكون ناشئاً عن الشعور بالنقص، أو بسبب كون الإنسان قليل المال، فيحسد من وسّع الله عليهم، وقد يكون بسبب عدم الهداية والتوفيق لها، وهذا ما حصل للمنافقين الذين كانوا يثيرون الفتن والشكوك في صفوف المسلمين، لإجل ردّهم إلى حظيرة الشرك، يقول الله تعالى: (ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كُفّاراً حسداً من عند أنفسهم)[3]، ويقول أيضاً: (أم يحسدون النّاس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً)[4].
وقد يكون الحسد سبباً في رفعة الإنسان المحسود هذا مضافاً إلى أنّ الحاسد يؤذي نفسه قبل من يحسده، يقول الصّادق(ع): الحاسد مضر بنفسه قبل أن يضرّ بالمحسود، والحسد يأكل الجسد، وكما قيل: الحسد منصف؛ لأنّه يبدأ بصاحبه، ومن جميل ما قيل في الحسد، قول أحد الشعراء:
أتدري على من أسأت الأدب
إذا أنت لم ترض لي ما وهب
وسدّ عليكم وجوه الطّلب
أقول لمن بات لي حاسداً
أسأت إلى الله في عرشه
فكافاك ربّي بأن زادني
إنّ قلوب الحاسدين تتقطع غيظاً إذا رأوا نعمة تصيب الناس، ويفرحون بسقطات الآخرين، وكما يعبّر عن ذلك القرآن الكريم بقوله: (إن تمسسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها)[5].
فأيّ مرض أشدّ وأخطر من هذا، وكم هي مظلمة قلوب الحاسدين التي تريد أن تزول النّعمة عن النّاس، وكما قال بعض أهل الادب:
رغدا بلا قتر صفواً بلا رتق
فالغلّ في القلب مثل الغلّ في العنق
يا طالب العيش في أمن وفي دَعَة
خلّص فؤادك من غلٍّ ومن حسدٍ
أصحر عبد الملك بن مروان يوماً، وكان من بعض مرافقيه، الحجّاج بن يوسف الثقفي، وقد كان من عادة الملوك أنّهم إذا خلوا بندمائهم تكاشفوا وتصارحوا، فسأل عبد الملك الحجّاج قائلاً: ما من رجل إلاّ ويعرف نفسه، فأريد منك أن تصف لي عيوبك؟ فقال الحجّاج: يا امير إنّي حسود حقود لدود، فقال عبد الملك: قاتلك الله، ما في إبليس شرٌّ من ذلك. وقد روي عن ابن صفوان الحكيم، أنّه عندما سمع الكلام قال: (جمع الشرّ بحذافيره).
حكي أنّ رجلاً جاء إلى الأصمعي، يشكو له حسد النّاس، وطلب منه أن يأتي بنفسه ليرى بأمّ عينيه. وفي اليوم التالي ذهب الأصمعي إلى المكان الذي يقع فيه بيت هذا الرّجل، وأخذ يراقب الموقف، وكان هذا الرجل قد اصطنع موقفاً يثبتُ من خلاله للأصمعي مقدار حسد النّاس، وحقدهم عليه، فأخذ يتباكى وهو يخبر جيرانه بأنه قد استلم كتاباً بصلبه هو ومالك بن مسمع وفلان من أشراف البلد، وإذا بالنّاس يقولون له: ومن أنت حتّى تصلب مع هؤلاء! فقال للأصمعي: أرأيت كيف أحسدُ حتى على الموت؟ وإلى هذا أشار بعض الشعراء:
حتّى على الموت لا أخلو من الحسدِ
هم يحسدوني على موتي فوا عجباً
وكقول أبي الطيّب المتنبّي:
أنّي بما أنا شاكٍ منه محسود
ماذا لقيت من الدُّنيا وأعجبه
كيف نعالج الحسد؟
يوصي الحكماء لمعالجة الحسد بكثرة ذكر الموت؛ فإن هذا الشّعور يجعل الإنسان مدركاً لمرحلية الحياة الدُّنيا، وأنّها عرض زائل، لا قيمة له في مقابل الحياة الأُخرى التي ادّخرها الله للصالحين.
يقول أمير المؤمنين(ع) في بعض كلماته: (أسمِعُوا دعوة الموت آذانكم قبل أن يدعى بكم، إنّ الزاهدين في الدنيا تبكي قلوبهم وإن ضحكوا، ويشتد حزنهم وإن فرحوا، قد غاب عن أسماعكم ذكر الآجال وخدعتكم كواذب الآمال، فصارت الدُّنيا أملك بقلوبكم من الآخرة).
ينقل التاريخ أن نصير الدين الطّوسي كان مقرَّباً من هولاكو المغولي[6]، وكان ذلك يثير حفيظة حاسديه، فلمّا ماتت أُم هولاكو ـ وكان يحبُّها حبّاً جمّاً ـ جاءه بعض الحسّاد وأرادوا ان يكيدوا للشيخ الطّوسي فقالوا لهذا الطّاغية: كيف ستدفن أُمك في قبرها وحيدة، والحساب عسير، فقال: وما الحيلة؟ قالوا: نقترح أن تدفن إلى جانبها الشيخ الطوسي؛ لكي يتولى إجابة منكر ونكير عنها.
انطلت الشبهة على هولاكو فأرسل في طلب الشيخ، وأخبره بما عزم عليه، لكنّ الشيخ كان فطناً فقال له: إذا أنا دفنت مع أُمّك، فمن سيدفن معك؟ أنا أقترح أشار عليك بدفني مع أمّك وأن أبقى أنا لأدفن معك، وأتولّى الدّفاع عنك بنفسي. وهكذا بدأ الشرّ بصاحبه، يقول أحد الشعراء:
يا ظالماً وكأنّه مظلوم
قل للحسود إذا تنفّس حسرة
وكما أسلفنا، فإنّ الحسد قد يسبّب رفعة ومكانة للإنسان المحسود، كما عبّر عن ذلك الشاعر:
طويت اُتاح لها لسان حسود
ما كان يعرف طيب عرف العود
واذا أراد الله نشر فضيلةٍ
لولا اشتعال النّار فيما جاورت
فرح آل أبي سفيان بموت النبيّ(ص) فرحاً غامراً؛ حسداً لبني هاشم الذين جمعوا المجد من أطرافه، وهذا هو شأن أعداء العظماء في كل زمان، فقد أثلج رحيل الإمام الخميني(قدس) قلوب أعدائه الحاسدين قدوة ببني سفيان الذين شمتوا حين مات النبيّ(ص)، فخاطبهم سهيل بن عمرو العامري قائلاً: (والله إنّي لأعلم أنّ هذا الدّين سيمتد امتداد الشّمس في طلوعها إلى غروبها، فلا يغرّنكم هذا من أنفسكم، ولكن حسد بني هاشم جاثم على صدوركم). وكما قال القائل:
فالنّار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله
أصبر على حسد الحسود فإنّ صبرك قاتله
كان النبيّ يتعوذ أيّام السّبت من الشكّ والشرك والغضب والحميّة الباطلة والبغي والحسد، لأنّه وأهل بيته كانوا عرضة لعيون الحاسدين، كما هو حال أمير المؤمنين(ع) الذي جنى عليه الحسد ما لم يجن على أحد، حتّى قال فيه أحد الكتّاب: ما أقول في رجل أخفى فضائله أولياؤه خوفاً، واخفى فضائله أعداؤه حسداً، ومع ذلك ملأت فضائله الخافقين.
متسافل الدّرجات يحسد من علا
إن يحسدوك على علاك فإنّما
التاريخ يحدث أنّ معاوية بن أبي سفيان كان ينفق ثلث ميزانية الدّولة لطمس فضائل علي(ع)، ولكنّه رغم ذلك لم يزد عليّاً إلاّ رفعة وسمواً، كم دفع معاوية من الأموال لسمرة بن جندب وغيره ليفتعلوا الأحاديث وينسبوها إلى النبيّ(ص)، محاولين تجميل الوجوه البشعة لأسيادهم، بنسبة فضائل مماثلة لفضائل الإمام عليّ(ع).
حاول أعداء عليّ(ع) أن يزوّروا كل شيء، حتّى الحديث الذي نصّ على منزلة الأمير من النبيّ(ع)؛ إذ يقول: (يا علي أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي)، فيحاول وعّاظ السّلاطين ان يحتالوا على هذه الخصوصية العلوية بتكرار نصّ هذا الحديث بحق رجال عاديين حتّى لا يفتخر أتباع عليّ بهذه المنقبة ويحتجوا بها لتفضيله على غيره.
ثمانون عاماً من الحقد الأُموي لم تفلح في حجب المجد العلوي الباذخ، والشمس لا تحجب بغربال كما قيل، فمرة يتّهمون علياً بأنّه ذو دعابة، ناسين قول النبي(ص): (المؤمن دعب لعب) وقوله(ص): (المؤمن بشره في وجهه وحزنه في قلبه) ولكن أنّى للظّلام مفاخرة الشّمس، يقول أحد الشعراء:
ما لمعناك من معانٍ ملاحِ
أو تجازي نعت بالسّفاح
قيل: تلعابة كثير المزاح
في الحرب رغم أنّه ابن كفاح
لابن عاصٍ أو كذبة من سجاح
وليزد كذبهم من الإلحاح
حرص الحقد أن يسمّي قبيحاً
فإذا لنت قيل أنت ضعيف
وإذا ما رققت أو بشّ وجهٌ
واستزادوا فقيل لا رأي له
أعليٌ يؤذيه رأي رقيعٍ
فليزد ما حملته من فتوحٍ
لقد أضافت حملات الدّعاية المضادة لعليّ(ع) مجداً من نوع آخر، ذلك هو المجد الذي تؤكده مذمة الناقصين:
فهي الشّهادة لي بأنّي كاملُ
وإذا أتتك مذمّتي من ناقص
فالفرد المسلم مدعو إلى الإبتعاد عن هذه الصفات المذمومة، وعليه بدل أن يمدّ عينيه إلى نعم الله على عباده، أن يشكر المولى على ما أنعم به عليه، وأن يشكر الله شكراً كثيراً، فالشكر على النعم يدفع شرّ الحسد عن الإنسان، وكما ورد في الحديث الشريف عن النبيّ(ص): (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإنّ كلّ ذي نعمة محسود)، وقد نسبت أبيات بهذا المعنى للإمام علي(ع):
فانّ المعاصي تزيل النّعم
ـه فإنّ الإله سريع النّقم
إذا كنت في نعمة فارعها
ودوام عليها بشكر الإلـ
--------------------------------------------------------------------------------
[1] القلم/51.
[2] الفلق/5.
[3] البقرة/119.
[4] النساء/54.
[5] آل عمران/120.
[6] اتّهم بعض المؤرخين الشيخ الطوسي باعانته لهولاكو في فتح بغداد، وهذا اتّهام باطل؛ إذا إنّه هرب من نيشابور التي أحرق جنكيز خان مكتباتها ونجا بأعجوبة، وفي فترة قربه من هولاكو كان حامياً للدين والمذهب، وللمزيد من الإطلاع على هذه الحقيقة، يراجع كتاب (الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي) بقلم المرحوم السيد حسن الأمين.
|