|
 |
|
سماحة الشيخ |
لقد أختلف الحكماء والفلاسفة في أمر المشيئة وحقيقتها , ويدور الاختلاف في هل أن المشيئة قديمة أزلية وهي عين الذات الإلهية , أو أنها خلق من مخلوقاته وحادثة فهنا مسلكان .
المسلك الأول :
الاشاعرة وبعض المعتزلة انها قديمة , وأستدلوا على ذلك بأنه لو كانت حادثة فلا شك انها مستندة الى المختار الذي هو ذاته تعالى , فتحتاج الى ارادة اخرى مستندة الى ارادة ثانية، وهكذا ويستلزم من ذلك التسلسل في الارادات الموجودة فلا بد أن تكون المشيئة قديمة ليتنفي محذور التسلسل الباطل ، وقالت المعتزلة وهما الجبائيان وعبدالجبار ومن تابعهم من المعتزلة انها حادثة قديمة بذاتها لا بذاته تعالى , وقالت الكرامية انها حادثة قائمة بذاته تعالى, وقد تلخص من هذه المذاهب المنسوبة للمتكلمين المثبتين لكونه مريداً ما قاله الامام الرازي في الاربعين وهو انّه كونه مريداً امّا ان يكون نفس ذاته وهو قول ضرار، وأما ان لا يكون نفس ذاته، فحينئذ اما ان يكون امراً سلبياً وهو احد قولي النجار من كونه غير مغلوب ولا مكره، وأما امراً ثبوتياً ولابد له من علة لامكانه فيكون اما معللاً بذاته تعالى، وهو القول الاخر، وأما معللاً بغير ذاته، وحينئذ اما ان يعلل بمعنى قديم قائم بذاته تعالى، وهو قول اصحابنا، واما بمعنى حادث اما قائم بذاته تعالى، وهو قول الكرامية أو موجوداً لا في محل، وهو قول الجبائية وعبدالجبار من المعتزلة أو قائم بذات غير اللّه تعالى ولم ير احداً ذهب اليه، ويبطل الاول انا نعلم ونشك في كونه مريداً، ويبطل الثاني لزوم كون الجماد مريداً لانه غير مغلوب، ويبطل الخامس والسادس للزوم التسلسل في الارادات، ويبطل الخامس خاصة أنه لا يقوم الحادث بذاته تعالى، والسادس خاصة انّه انما يلزم عرض لا في محل وان نسبة ما لا محل له الى جميع الذوات سواء فاذا كانت الارادة قائمة بذاتها فليس كونه تعالى مريداً بها اولى من كون غيره مريداً بها وكون ذاته تعالى ايضاً لا في محل كتلك الارادة لا توجب اختصاصه به لانّ كونه لا في محل اخر امر سلبي فلا يكون علة للثبوت.
المسلك الثاني : القول بحدوث المشيئة وأنها مخلوقة , وهو مسلك أهل البيت عليهم السلام , وبه تمسكت المدرسة الأوحدية , لمفجر ينابيعها الشيخ الأغر الأوحد الأحسائي , أرواحنا له الفداء , ومن سلك طريقته , واقول هذا إنما هو منطوق الأخبار , الواردة في الإرادة والمشيئة وانهما من الصفات الفعلية الحادثة وهذا هو ظاهر ماذكره الكليني في الكافي، والصدوق في التوحيد قصرها على هذا المعنى ولا يجوز اعتبارها من الصفات العينية الذاتية ,
فمنها ما رواه الكليني والصدوق في التوحيد باسناديهما عن عاصم بن حميد في الصحيح عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: "قلت لم يزل اللّه تعالى مريداً، قال: ان المريد لا يكون إلاّ المراد معه لم يزل عالماً قادراً ثم اراد"
وفيهما في الصحيح عن صفوان قال: "قلت لابي الحسن(عليه السلام) اخبرني عن الارادة من اللّه ومن الخلق؟، قال: فقال: الارادة من الخلق الضمير وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأما من اللّه فارادته احداثه لا غير ذلك لانه لا يروي ولا يهم ولا يتفكر، وهذه الصفات منفية عنه وهي صفات الخلق فارادة اللّه تعالى الفعل لا غير ذلك يقول له (كن فيكون) بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همة ولا تفكر ولا كيف لذلك كما انّه لا كيف له"
وفيهما في الصحيح عن ابن اذينة عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: "خلق اللّه المشيئة بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشيئة"
وفيهما في الصحيح ايضاً عن محمد بن مسلم عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: "المشيئة محدثة" ,
وفي التوحيد في الصحيح ايضاً عن الجعفري قال:، قال: ابو عبداللّه(عليه السلام): "المشيئة من صفات الافعال، فمن زعم ان اللّه لم يزل مريداً شاءياً فليس بموحد" ,
وفي التوحيد ايضاً عن أبي سعيد القماط قال قال ابو عبداللّه (عليه السلام) "خلق اللّه المشيئة قبل الاشياء ثم خلق اللّه الاشياء بالمشيئة"
فهذه الاخبار الصحيحة كما ترى ظاهرة في ان المشيئة صفة فعلية حادثة، وكذلك الارادة , والعلم الذاتي شيء لآخر ,
فيتلخص أن المشية محدثة مخلوقة وليست هي عين ذات الواجب ، فلا تلتفت إلى من يزعم قدمها حذرا من لزوم الدور والتسلسل كما مر من مذاهب بعض الفرق ، لأنك عرفت ارتفاعهما بأنها خلقت بنفسها قال عليه السلام ( إن الله خلق الأشياء بالمشية وخلق المشية بنفسها ) وآية معرفتهما أنك بنفسها ، وآية معرفتهما أنك تحدث النية بنفس النية لا بأمر آخر فلا تحتاج في أحداث النية إلى نية أخرى ، فلو كانت المشية هي عين الذات للزم إثبات الذات مرة , كقوله تعالى ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ( الاسراء 86 ) , ونفيها الذات للزم أن يكون الحق فاعلا موجبا مضطرا لا مختارا ، قال تعالى (لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ) , ولو كانت هي عين الذات لزم أن يكون أراد متى علم وعلم متى أراد ، مع أنه سبحانه يعلم شيئا ولم يشأ أبدا ، كقوله تعالى ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ( الاسراء 86 ) وهو يعلم كيف يذهب به ولا يشاء به أبدا : لأنه خلاف الحكمة والقول بأنها هي العلم بالأصح أيضا باطل لظهور التفرقة بين العلم والإرادة مفهوما ومصداقا ،
عن بكير بن اعين قال: "قلت لابي عبداللّه(عليه السلام) علم اللّه ومشيئته هما متفقان أو مختلفان؟، فقال:العلم ليس هو المشيئة إلاّ ترى انك تقول سأفعل كذا ان شاء اللّه تعالى ولا تقول سأفعل كذا ان علم اللّه فقولك ان شاء اللّه دليل على انّه لم يشأ فاذا شاء كان الذي شاء كما شاء وعلم اللّه السابق المشيئة" , ولأن القول بأنها هـي العلـم بالأصلح يستدعي تجزئة ذات الواجب وتركيبه من الأجزاء فيلزم حدوثه ، فإن علمه سبحانه عين ذاته ، ويعلم بذات جميع الأشياء الأصلح وغير الأصلح ، فيلزم أن يكون علمه قسمين علم بالأصلح فيسمى مشية ، وعلم بغير الأصلح فتتجزى الذات سبحانه وتعالى عما يقولون وبالجملة لما ثبت حدوث المشية ثبت حدوث الإرادة بالطريق الأولى أما على أنها متأخرة عنها فظاهر ، وأما على القول بأنها نفس المشية فكذلك وقد يطلق أحديهما على الأخرى فيجتمعان ويفترقان فإذا اجتمعنا افترقتا ، وإذا افترقتا اجتمعتا .
والحاصل أن من اطلع على ضرورة مذهب أهل البيت عليهم السلام علم يقينا أن المشية حدوثها من ضروريات مذهبهم وقد صرحوا بأن المشية والإرادة من صفات الأفعال فمن زعم أن الله لم يزل شائيا مريدا فهو ليس بموحد .
المصادر :
1- المخازن
2- الكافي
3- محاضرات في الإلهيات للسبحاني
4- توحيد الصدوق
|