معنى قوله تعالى في الحديث القدسي (( كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف )) أنه سبحانه كان قبل الخلق كنزا مخفيا بل خفاء المطلق المتناول لعدم المعرفة بالكلية بوجه من الوجوه بالتجليات الفعلية بمعنى أنه كان سبحانه غير معروف لا بذاته ولا بآثار صنعه وظهوراته أما أنه غير معروف بذاته فمعلوم ذلك بالضرورة قبل الخلق وبعده فلا يتفاوت عليه الحال سبحانه إذ لا يسبقه حال حالا كما
مرت الإشارة إليه وإلا لتغيرت حالاته ومتغيرها حادث قطعا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
مع أن المفروض قبل الإيجاد ألا شيء غيره والمعلوم إلا شيء سواه بل هو المتفرد بالوجود لأنه قديم ومقتضى القدم ذلك فإذن كيف يكون معروفا بها للغير مع عدمه قطعا وامتناع فرض وجوده وبعده لم يدرك ولم يعرف من حيث الذات منا برهنا عليه فيما مر
إذ لم يظهر بها لهم ولم ينزل بها إلى رتبته وهم لم يقدروا أن يصعدوا إلى رتبته لما تقدم من أن الطريق مسدود والطلب مردود فثبت أنه هو الآن على ما كان قبله من عدم معرفته بالكنه إذ لو عرف بذلك بعده للزمت محاذير عديدة مضافا إلى ما تقدم فمنها الاتصال والاقتران بالغير والاجتماع معه في الرتبة والمطابقة والمناسبة والمماثلة له في الذات وإلا لاستحالة معرفته بذلك
إذ شرطها كذلك وكل ذلك عليه محال كما لا يخفى ذلك على من له أدنى تأييد من المالك ففي الحقيقة أنه سبحانه من حيث الذات كنز مخفي عمن سواه مطلقا وجب ذلك السوى أم لم يوجد ، ومن هنا تعرف إن كنت ممن صحَّ تمييزه وأجاب عمله علمه حين ما هتفت به جواب ما أورده بعض المحققين في المقام من أنه ما معنى أنه كان كنزا مخفيا وليس معه هنالك شيء يختفي عنه فإن كان معه شيء انتقض التوحيد وإن لم يكن معه شيء فما وجه تخراج الحديث ومن أن الظاهر منه أيضا أنه سبحانه كان قبل الإيجاد مخفيا وبعده صار معرفا واضحا جليا فتخراجه بما ذكر من أن مقتضى القدم أن يكون كنزا مخفيا عن الغير مطلقا
إما مع عدمه فهي سالبه بانتفاء الموضوع وإما مع وجوده فلعدم إدراك الغير له سبحانه من حيث هو بوجه ما ، ومن أن المراد بالخفاء المطلق الشامل لعدم المعرفة حتى بالآثار فافهم .
وإما أنه غير معروف بآثار صنعه وظهورات فعله حين إذ فلأن المفروض أن ذلك كان كنزا مخفيا في الإمكان ليس له تحقق في الوجود والعيان إذ المشيئة الإمكانية بعد لم تؤمر بالتعلق بالإمكانات الصلوحية حتى تظهر التجليات الفعلية والظهورات التكوينية التي كانت مخفية في هوية الفعل الإمكاني المخفي
الدالة على الذات دلالة استدلال بل يكاد زيتها حينئذ يضيء وإن لم تمسسه نار المحبة والإرادة الإمكانيتين وإنما صار معرفا بالآثار والآيات بعد تعلقها بالإمكانات لأنه بعد ذلك تعين وتميز بها عند المايز لأنه أظهر سبحانه صفات فعله بعد أن كانت مخفية فافهم هذه الكلمات المؤتى بها على طريق السهالة للتفهيم ،
وقولي سابقا فلأن المفروض أن ذلك كان كنزا مخفيا ...إلخ ، لإشعار أنه سبحانه لم يكن خلوا من الملك الإمكاني قبل إنشائه الكوني إذ لو كان كذلك لورد أنه سبحانه كان معطل الفيض والجود قبل الإيجاد فصار قولي دفعا لهذا الإيراد كما لا يخفى على ذوي الرشاد وقد اشار إلى ذلك غوث العباد وركن البلاد الصادق
فيما قال وأفاد جعفر بن محمد عليهما السلام بقوله الشريف على ما رواه عن ثقة الإسلام في الكافي (ولا كان مستوحشا قبل أن يبتدع شيئا ولا يشبهه شيء مذكورا وإلا كان خلوا من الملك قبل إنشائه ولا يكون منه خلوا بعد ذهابه لم يزل حيا بلا حياة )الحديث .