وكبدل الكل من الكل، وكالولد من الأب، وهكذا في أمر الوجود. وأما معنى "وأنا من حسين" فيحتمل أنهم لما كانوا من نور واحد ثم قُسِّموا، صَدَقَ أنَّ كلَّ واحد من الآخر.
ويحتمل أن يكون وجود كل واحد سبباً لوجود الآخر، ومركباً منه، ومتوقفاً عليه توقف مَعِيَّة وتضايف، فتركَّب وجوده، ومن وجود ما توقَّف عليه، فيصْدُق على كل واحد أنه من الآخر.
ويحتمل أن يكون في باب الشهادة، أنّه من الحسين (ع)، لأنّ الحسين (ع) سيّد الشهداء، فكلُّ شهيدٍ فهو من ذريّة الحسين (ع). وإلى ذلك الإشارة بقول الصادق (ع) - ما معناه -: "أنه يكون اثنا عشر إماماً، واثنا عشر مهدياً، والقائم عجل الله فرجه الشريف آخر الأئمة، وأول المهديِّين (2)" وكلهم من ذرية الحسين عليه السلام.
وقد أشرت إلى هذا المعنى في قصيدة رثيت بها الحسين (ع)، قلت فيها:
لِذَاكَ كَانَ أبُوه مَع أخِيه كَذا بَنُوه مِنْ نَسْلِهِ حَقًّا وهابِيل
ولأجل هذا قال ما قال (صلى الله عليه وآله).
سأل السيد الأمجد السيد كاظم قاسم الحسيني الرشتي أعلى الله مقامه عن معنى "حسين مني وأنا من حسين" (أجوبة مسائل الشيخ البحراني للسيد الرشتي 14)
قال - سلمه الله - : وما معنى "حسين مني، وأنا من حسين"؟.
أقول: هذا تعبير عن كونهما والطيِّبين من ذريَّتهما من حقيقة واحدة، ونور واحد، كما في الزيارة: "وأشهد أنّ أرواحكم ونوركم وطينتكم واحدة، طابت وطهُرت بعضها من بعض.(3)" وهو قوله تعالى: {ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ} (آل عمران:34)، والمراد منه كناية عن حقيقة واحدة، حقيقة ليس فيها تعدد إلا بحسب الظهور في المتعلقات.
والمعنى الآخر، إن قوله صلى الله عليه وآله: "حسين مني" ظاهر، لأنّه أبوه والذي تشعب الحسين (ع) منه، كما قال صلى الله عليه وآله: "أنا الشجرة وفاطمة أصلها وعلي لقاحها والأئمة من ولده أغصانها وعلومهم أثمارها وشيعتنا الورق الملتف بالثمرة (4)"، وهذا ظاهر غني عن البيان.
وأما قوله صلى الله عليه وآله: "وأنا من حسين"، يريد أنّ أمره ونبوته وشريعته إنما ظهرت بالحسين (ع)، بشهادته وقتله على الوجه المخصوص، فلو لا قتله عليه السلام لانطمست أعلام النبوة، واندست آثارها، ولم يبقَ لها إلا اسم، ولم يكن لها رسم، وذلك كان أيضاً ينمحي عن قريب.
فكان الحسين (ع) هو الفجر - في القرآن - الذي فَلَقَ بشهادته غياهب دجى الظُّلمات، وأزال عن القلوب الشكوك والشبهات، مما دخلت بصلح الحسن (ع)، وسكوت أمير المؤمنين (ع) في مدة خلافة الثلاثة، وتحكيم الحكمين، وبقبول النبي صلى الله عليه وآله الجزية والفدية، وإبقاء الكفار على أديانهم ومللهم.
والحاصل: أنه عليه السلام أظهر الدين، وأحيى شريعة سيّد المرسلين صلى الله عليه وآله أجمعين، فكان به ظهور أمره (ص)، فكنّى عن هذا المعنى بقوله: "وأنا من الحسين"، وفي الحديث: "أن سورة الفجر سورة الحسين (ع)، فمن واظب عليها في فرائضه ونوافله حشره الله مع الحسين (ع) (5)"، لذا قال تعالى {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً} (الإسراء:78).
المصادر: جوامع الكلم للشيخ الأحسائي 1/139
(1) الإرشاد للمفيد 2/127
(2) قريب منه في غيبة الطوسي 150.
(3) عيون أخبار الرضا (ع) 2/272.
(4) تأويل الآيات 53.
(5) قريب منه في مصباح الكفعمي 405.