منابع المعرفة عند الشيخ الأوحد (العقل)
ما خلق الله شيئاً أبغض إليه من الأحمق ، لأنه سلبه أحب الأشياء إليه وهو عقله
الشيخ عبدالمنعم-موقع الشيخ  18-03-2010
حجم الخط: |

العقل ,من النعم التـي أنعم الله تعالى علينا نعمة العقل ، بل هو من أفضلها وأشرفها ، قال الـرسول الأعظم صلى الله عليه وآله : " مـا قسم الله للعباد شيئاً أفضل من العقل "  وقال أمير المؤمنين (ع) : " أبغض الخلائق إلى الله تعالى الجاهل ، لأنه حرمه أفضل ما مَنّ به على خلقه وهو العقل "  والكلام عن العقل يقع في أمرين :
 


الشيخ عبدالمنعم العمران

العقل ,من النعم التـي أنعم الله تعالى علينا نعمة العقل ، بل هو من أفضلها وأشرفها ، قال الـرسول الأعظم صلى الله عليه وآله : " مـا قسم الله للعباد شيئاً أفضل من العقل "  وقال أمير المؤمنين (ع) : " أبغض الخلائق إلى الله تعالى الجاهل ، لأنه حرمه أفضل ما مَنّ به على خلقه وهو العقل "  والكلام عن العقل يقع في أمرين :
 

الأمر الأول : أهمية العقل عند الكتاب والسنة المطهرين : إذا رجعنا إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة وجدناهما مليئان بما يشيد بمقام العقل ، وأنه من الأهمية بمكان ، وإليك بعض ما ورد فيهما عن ذلك :
قال تعالى : ( قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون  ) وقال تعالى : ( إن أجري إلا على الذي فطرنـي أفلا تعقلون ) وقال تعالى : ( ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون )  هذا بعض ما ورد في القرآن الكريم إذ لا يمكننا حصرها في هذا المختصر ، وأما السنة الشريفة فقد ورد فيها من الروايات التـي تدل على مقام العقل الكثير أذكر بعضها للاختصار ، وهي :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " يا علي ، لا فقر أشد من الجهل ، ولا مال أعود من العقل  وقال صلى الله عليه وآله : " إذا رأيتم الرجل كثير الصلاة كثير الصيام فلا تباهوا به حتـى تنظروا كيف عقله "
وقال أمير المؤمنين (ع) : " الروح حياة البدن ، والعقل حياة الروح " 
وقال الإمام الصادق (ع) : " ما خلق الله شيئاً أبغض إليه من الأحمق ، لأنه سلبه أحب الأشياء إليه وهو عقله "
الأمر الثانـي : العقل والشيخ الأحسائـي قدس سره :
لقد أخذ العقل حيزاً هاماً في الفكر البشري ، إذ به يحصل النظام في المجتمع البشري ، وبه توجد المدينة الفاضلة ، بل بالعقل يتطور الإنسان ويصل إلى أعلى درجات الكمال ، فلذا اهتُم به وجُعل من مصادر المعرفة في الفكر الإنسانـي ، حتـى المدارس الفلسفية التـي أهملته في مقام الوصول إلى الحقيقة كالعرفانية لم تهمله في مقام إثبات الحقائق للآخرين ، بل جعلته متوحداً في ذلك .
ونظراً لهذه الأهمية والمقام أهتم الشيخ الأحسائـي قدس سره به ، وجعله أحد وسائل المعرفة في حكمته ، وجعله نوراً يستضاء به في ظلمات الجهل ، وسفينة نجاة يركب فيها رواد المعرفة ، ولكن الشيخ قدس سره لم يطلق العنان له بل جعله محكوماً بقواعد سيأتـي الكلام عنها إن شاء الله تعالى .
والكلام عن العقل على ضوء مدرسة الشيخ الأوحد قدس سره في :-
أ . تبعية العقل للكتاب والسنة المشرفين :
العقل من النعم التـي ذم الله تعالى إهمالها وعدم استعمالها في آيات عديدة ، مثل قوله تعالى : ) لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل (
وقال تعالى : ( إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون )
وهذا لا يعنـي أن العقل له الحرية الكاملة ويحكم بما يشاء بل العقل يحتاج إلى من ينبهه ويصلح مساره ، إذ كثيراً ما نرى من يستعمله يصل إلى نتائج غير صحيحة وذلك بسبب اشتباه وقع إما في المقدمات أو النتائج أو فيهما .
قد يقال أن هذه الاشتباه من المستعمل والعاقل وليس من العقل ، قلت : نعم ولذلك احتاج العاقل إلى من ينبهه على اشتباهه ، وإذا رجعنا إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة نرى أن المرجع في ذلك هو القرآن الكريم والسنة الشريفة ، ومن الآيات قوله تعالى : ) وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة ( 
وقال تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتـى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً )
وأما الروايات ، فمنها ما رواه يونس بن عبدالرحمن قال : قلت لأبـي الحسن الأول - (ع) - بما أوحد الله ؟ .
فقال : يا يونس ، لا تكونن مبتدعاً ، من نظر برأيه هلك ، ومن ترك أهل بيت نبيه ضل ، ومن ترك كتاب الله وقول نبيه كفر . 
وقال أبو عبدالله (ع) : إن الأئمة في كتاب الله عز وجل إمامان . قال الله تبارك وتعالى : ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا )(  لا بأمر الناس يقدمون أمر الله قبل أمرهم ، وحكم الله قبل حكمهم ، قال : ( وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار )  يقدمون أمرهم قبل أمر الله ، وحكمهم قبل حكم الله ، ويأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب الله عز وجل . 
وقال أبو جعفر (ع) لسلمة بن كهيل والحكم بن عتبة : شرقا وغربا فلا تجدان علماً صحيحاً إلا شيئاً خرج من عندنا أهل البيت . 
وبهذه الأدلة نعرف أن المرجع في كل شيء – وخصوصاً في الاعتقاد – هو الكتاب والسنة ، فالعقل ليس له استقلال بل هو تابع لهما ، والمهتدي بهما ، وفي هذا الأمر يقول الشيخ الأحسائـي – في شرح قول الإمام الهادي (ع) " وجعلنـي ممن يقتص آثاركم " - :
أقول سأل الزائر المؤمن ربه أن يجعله ممن يقتص آثار آل محمد صلى الله عليه وآله ، ومعنـى يقتص يتبع مستخبراً أو مطلقاً ، وليس المراد أن الاستخبار الواقع حالاً علة للاتباع بل الاستخبار أحد معلولات الاتباع . وإنما المراد أن يكون متبعاً حقيقياً – أي لا يكون في حال غير متبع فيكون فيها مستقلاً نعوذ بالله من طلب الاستقلال بدونهم فإن من شذ عنهم إلى النار – لا فرق في هذا بين حكم العمل والقول والاعتقاد .
وليس القول بوجوب أخذ المعارف والأصول الدينية عن العقل منافياً لما نقوله ، لأن الحق لهم ومعهم وبهم ، والعقل إنما حكم له بإصابة الحق لأن نوره من نورهم .
ألا ترى من يدعـي العقل من أعدائهم ربما تشهد له أنت بالعقل الدقيق والفهم الشديد عند التحقيق . وكذلك كثير من أهل الملل والانتحال من الكفار والمسلمين مع أنهم لا يدركون بعقولهم في اعتقاداتهم إلا الاعتقادات الباطلة …
ولو كان العقل يستقل في إدراك شيء من الاعتقادات بدون أنوارهم صلى الله عليهم لاهتدى هؤلاء  وأتباعهم … 
خلاصة الكلام في هذه المسألة أن العقل لا يستقل في المعارف بل يجب عليه الرجوع إلى الكتاب والسنة المشرفين ، إذ بهما يسدد العقل ، ويعصم من الزلل .
ب . شروط الاستفادة :
عرفنا في البحث الأول والذي تكلمت فيه عن الكتاب والسنة المشرفين وجود نوعين من الشروط ، شروط عامة وخاصة ، وعرفنا أن العامة ليست مختصة بهما بل تعم العقل والكشف ، فعلى هذا أقول : أن للعقل نوعين من الشروط ، وهما :
النوع الأول :
الشروط العامة : قد ذكرنا هذه الشروط في البحث الأول ، ولا بأس بالتذكير بها ، وهـي :
ترك الأنس بما اعتادت النفس .
ترك الرجوع إلى القواعد والاصطلاحات .
ترك الاستنكاف عن الجهل في مقابلة ما عرفه العقل من الحق .
الإخلاص لله تعالى .
النوع الثانـي :
الشروط الخاصة :- وأما الشروط الخاصة التـي إذا توفرت استفدنا مما توصل إليه العقل ، وأخذنا به ، فهما .
1.مطابقة الكتاب الكريم والسنة المشرفة له .
فإذا وجد من القرآن الكريم والسنة المطهرة أو من أحدهما ما يوافق ما توصل إليه العقل ويصدقه ويطابقه ، أخذ به ، وكان مما يتمسك به ، وفي هذا الشيء يقول الشيخ الأوحد قدس سره : " نعم إذا كان التفصيلـي ذوقياً عيانياً غير مخالف لكلام أهل العصمة عليهم السلام ، بمعنـى أنهم يقولون طبق ما قال هذا المستدل ، ليكونوا عليهم السلام مخبرين عن صدقه لا أنه يصرف كلامهم عن ظاهره ، ويدعـي أن هذا مرادهم ، فإن ذلك ضلال ، بل شرط صحة المستدل أن يحصل له شاهدان بقوله بلا تأويل :
أحدهما :كلام المعصوم بظاهره وبباطنه الذي يوافق ظاهره " 
وهذا الشرط يذكرنا بالشروط الخاصة للقرآن والسنة المكرمين ، إذ لا يمكن الرجوع إليهما لكل شخص ، لوجود مفاسد سبق ذكر بعضها في البحث السابق ، ولذلك نبه الشيخ الأوحد قدس سره إلى ذلك ، بعد الكلام السابق بقوله :
" وقولـي قبل : كلام المعصوم بظاهره وبباطنه الذي يوافق ظاهره ، احتراز عن دعاويهم الباطلة ، فإنهم يقولون كلامنا هذا هو مراد الإمام (ع) ولكن القشريين لا يفهمونه ، فهم يؤلون لكلام الإمام (ع) معنـى يخالف ظاهره ، ويخالف القرآن ، ويخالف ما أقـر الله ورسوله - صلى الله عليه وآلـه – عليه المسلمين ، والله سبحانه ) سيجزيهم وصفهم أنه حكيم عليم ( " 
فعلى هذا العقل يجب أن يرجع للنقل ، وقبل أن يستند على القرآن والسنة المشرفين يجب توفر الشروط العامة والخاصة للقرآن والسنة المكرمين .
2.مطابقته لظاهر كلام عوام المسلمين المؤمنين :
العقل إذا توصل إلى شيء يعرضه على القرآن والسنة المكرمين ، وكذلك على ظاهر كلام عوام المسلمين المؤمنين ، لا ما يتأولونه ، وفي هذا الأمر يقول الشيخ الأوحد قدس سره :
" بل شرط صحة قول المستدل أن يحصل له شاهدان بقوله بلا تأويل أحدهما …
وثانيهما : أن يكون قوله مطابقاً لما عليه ظاهر كلام العوام من المسلمين المؤمنين لا ما يتأولونه ، كما ذكرنا سابقاً فإنهم لا يفهمون إلا ما ينافي الحق ولكن ظاهر كلامهم صحيح … " 
وتوضيحه : أن عوام المسلمين المؤمنين مجمل عقائدهم صحيحة ، وتوافق القرآن الكريم و السنة المطهرة ، فإذا نطقوا بمجمل عقائدهم نطقوا بما يوافق الكريمين .
وأما إذا نطقوا بتفصيل ذلك المجمل تراهم يقعون في الشرك أو الكفر - والعياذ بالله تعالى - ومثال ذلك :
الداعـي يرفع يديه نحو السماء ، وهذا الفعل صحيح ، ويدل على عقيدة صحيحة ، ولكن لو سئلت الداعـي عن سبب ذلك لقال لك : لأن الله تعالى موجود في السماء .
وهذا الاعتقاد باطل يوجب المكان له تعالى الموجب للحدوث ؛ مع أن الفعل في نفسه صحيح .
مع أن سبب رفع اليد عند الدعاء قد ذكر عن أهل العصمة عليهم السلام ، وليس فيه شيء من عقيدة العوام ، وذلك قول أمير المؤمنين (ع) : " إذا فرغ أحدكم من الصلاة فليرفع يديه إلى السماء لينصب في الدعاء .
فقال ابن سبا : يا أمير المؤمنين ، أليس الله في كل مكان ؟
قال : بلى .
قال : فلم يرفع يديه إلى السماء ؟
فقال : أو ما تقرأ ) وفي السماء رزقكم وما توعدون ( 
فمن أين يطلب الرزق إلا من موضع الرزق ، وموضع الرزق وما وعد الله السماء ." 
ولقد ذكر الشيخ الأحسائـي قدس سره قضية حصلت له تدل على هذا المعنـى ، لا بأس بذكرها :
" ولقد رأيت شخصاً ممن هو يقول بهذا المذهب الحق – يعنـي يقول بالولاية والبراءة – وظاهره الزهد والصلاح وملازمة العبادة ، وقعدت بعد الفراغ من الصلاة أعظ الجماعة ، وأعلمهم بعض المعارف . وكان الرجل بالقرب منـي فأخذت أقول : بأن الله تعالى لا يشابهه شيء من خلقه ، ولا في مكان ، ولا في جهة ، وما أشبه هذا .
فاعترض ذلك الرجل بالكلام ، فقلت له : اسكت ؛ لأنـي قلت : إن تكلم قال بالكفر فقت اسكت لا تتكلم .
فلم يقدر على إمساك نفسه ، إلى أن قال : البارحة رأيت ربـي في المنام ، وعنده جروا كلب جبريل وميكائيل .
وأنا أقول له : اسكت ، مع أنه يقول إن الله تعالى ليس كمثله شيء ، وليس الملائكة باجراء كلاب ، ولكن يقول ذلك بلسانه ، فإذا نطق بمقتضـى التفصيل نطق بمثل ما سمعت " 
فظهر من هذا أن العرض على مجمل عقيدة عوام المؤمنين لا تفصيلها ، إذ التفصيل يوقع في المهالك ، وهذا بخلاف مجمل عقيدة عوام المسلمين المؤمنين يوصل إلى النجاة ، لأنه يطابق القرآن الكريم والسنة المطهرة .

 

القرءآت1148-تعليقات 0

لايوجد تعليق-

تعليقات الزوار

الاســم :
نص التعليق :
فضلا ضع الكود:

اضف إلى إضف إلى فيس بوك إضف إلى تويتر اضف إلى قوقل
احفظ المقال:
اسمك
بريدك
بريد صديقك
نص الرسالة
كود التحقق
قيم الموضوع
التقييم الحالي: 1.7من5 (صوت:6)

مقالات سابقة من قسم أقلام إيمانية
دور شهادة خادم الشريعة في حق ابنه

هناك بعض النقاط المهمة التي يجب التنبيه إليها وتنوير قلوب الموالين القابلين للحق والرافضين للعناد والتضليل , إن مسألة...

Powered By:Rqeemportal V3