إلى البيوت والغرف..
فما عليكم إلا أن تواكبوا هذا التقدم والتطور العلمي للبشرية بالقراءة والمطالعة، ومن ثم التفكر والتعمّق، والاستدلال الصحيح، والتجرد بالحكم العادل، لتقفوا على الحقيقة الجلية التي توضح: أنه ليس في العالم معجزة وأعجوبة أعظم من معجزة القرآن العظيم، لأنه بتجلياته السماوية استطاع - وفي أقل من نصف قرن فقط - أن يسخر أكثر العالم المتمدن، وأن يزلزل سطوته، وأن يوقظ العقول الغافلة، ويسلب القرار والاستقرار من القارات الأرضية، وآن يحول التاريخ تحولا عميقا، من خلال تملكه عقول العلماء والمفكرين في العالم، ذلك التملك الذي سيدوم ما دام الدهر!!.
هذه النهضة المقدسة السماوية، نهضة العلم، والمنطق، والعقل، والنظام المطلق، هي التي أفاضت على القلوب والأرواح المضطربة سكوناً واستقراراً سماوياً، بعد أن ملأ الدنيا دويها، وراح يقرع أسماع أهلها، كما يفعل دوي الرعد والصاعقة، ولكنه بشكل أوسع وأشمل، بحيث تجاوز الأسماع، ليصل إلى القلوب، فيوقظها من نومتها وغفلتها، فانتبهت مذعورة مدهوشة، لتصغي لذلك الصوت السماوي، المتصاعد من جبال الحجاز، ولتعرف متحيرة من أين هذا الصوت؟، وأين مصدره؟، وماذا يقول؟.
ولكن حقا.. إن العظماء والعقلاء في ذلك اليوم - فضلا عن عموم الناس - كانوا قاصرين عن فهم ذلك السر السماوي والتعمق فيه، ولكنهم عرفوا هذه الحقيقة: (إن هذا الانقلاب والحدث العظيم ليس شيئا وقتيا وقصير الأجل).
نعم.. عرفوا أنّ هذا الخبر مفتاح تحول عظيم، ووراءه الأخبار الجسيمة والعظيمة، إن هذا المبتدأ ينتظر الأخبار العجيبة، والمعاجز الكبيرة التي سترد من خلفه!!، فما كان أول تلك الأخبار المحيّرة؟!.
في تلك المرحلة، وفي أوائل ظهور ذلك النور والكتاب السماوي، زلزل العالم المتلاطم والمتعب، وفي أول بزوغ شمسه، قهر صناديد العرب المتعصبة لتقاليدها، ومفاهيمها الجاهلية، وتفاعل مع قلوب الفصحاء من العرب، بحيث لم يجدوا سبيلا لمقاومته ومواجهته، ووقفوا تجاهه موقف التسليم والانفعال والانزواء.
إن تجلّي تلك الروح السماوية، وذلك الكوكب الوضاء، قهر أبطال البلاغة والفصاحة، وأجبرهم على الاعتراف بالعجز والضعف تجاهه، فذهب البعض منهم - وقد غلبهم الذعر والقلق - لينزلوا معلقاتهم الأدبية، التي كانت وسيلة فخرهم وتفاخرهم، عن جدار الكعبة، لم معلنين بذلك فشلهم أمام التحدي الأدبي والبلاغي للقرآن الكريم، بينما ذهب الآخرون منهم -وبدوافع عصبية وانتقامية- لينسبوه إلى السحر.
إن تحدي القرآن وصدى نزوله لم يكن في الحجاز فحسب، بل راح يزلزل عرش كسرى العظيم، وعروش إمبراطورية الروم، وكنائس المسيحيين، ويسخرهم ويضطرهم للاعتراف به، والخضوع له، وراح يعبر القارات والبحار ليصل إلى الصين، وحتى سواحل البحار العظيمة والجزر، وفي كل مكان على الأرض، ليتفاعل مع فطرة كل إنسان موجود يعيش عليها، فيعلمهم دروس التوحيد والكرامة الإنسانية.
فحطم قصور الظلم والطغاة والمستكبرين، وفضح أقوالهم وتعاليمهم الواهية، وأبدل بها عدالته الواسعة، وبيانه الفصيح، وتعاليمه البديعة، وأرسى قواعده الجديدة، المبنية على التوحيد والعدل، والعلم والأخوّة،
والمساواة في مركز التمدن، والتطور لمدى الدهر، حيث نسخ العنصرية القومية، وعبادة الأصنام، وأقر عبادة الله الواحد، وتساوي العباد تجاهه. وبعد مضي أربعة عشر قرنا، وفي عتبة القرن الخامس عشر، وفي هذا العصر عصر العلم، وقمة الحضارة والتطور، نجد لهذه الوديعة السماوية، والتذكار المحمدي (ص) نفوذاً عميقا، يتحكم في ضمائر وأفكار المجتمعات الحضارية في كل العالم، بحيث اعتلى موقع التوراة والإنجيل في خزانات الكتب، وفي أهم مراكز المسيحيين، ليرفع صوته عاليا بالآية الشريفة: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإْسْلامُ} (آل عمران:19)، فيدب في عروشهم وقلوبهم الخوف من الانهيار التام والشامل.
إن الجانب العلمي في هذا الكتاب السماوي العظيم ليبعث على الإعجاب والإكبار، حيث أنه لم يترك جانبا من جوانب العلوم والفنون إلا وغاص فيه، وكان مرجعا ومصدرا وثيقا فيه.
وعلى رغم مرور الزمن الطويل من تاريخ نزوله، ومع وجود المناوئين الأقوياء، والمعارضين الأشداء، لم يتمكن أحد منهم أن يثبت عليه أي إشكال أو نقص، حتى أنهم عجزوا عن كشف جملة غير بليغة أو ناقصة في كل الآيات القرآنية الكثيرة، إذ أنه ما تطرق إلى موضوع إلا بابتكار وإبداع، وما حكم في شيء إلا بالحكم الثابت والمستدل بشكل إعجازي.
والحال أن كل تأليف - ومهما كان عليه مؤلفه من الدقة والتحقيق من الاحتياط - سرعان ما تتوضح أغلاطه، ويخسر موقعه العلمي، ولكن قرآننا المقتدر بما يحويه من العلوم والحقائق العلمية يتحكم في الناس تحكما علميا وأخلاقيا، على الرغم من مرور أربعة عشر قرنا عليه، ولا يزال مرجعا ومصدرا لكل اكتشاف جديد، ومنبعا لأسرار الكون، وما تقدمت البشرية في زاوية من زوايا التطور العلمي إلا وكان ذلك التقدم سندا وثيقا لإثبات عظمة هذا الكتاب.
ولم يجد العلماء والمكتشفون سبيلا إلا المثول أمام القران، والوقوف وقفة الإعجاب والإكبار، والاعتراف بأنهم قاصرون عن تعريف هذا الكتاب السماوي، ووصفه بما يستحقه من وصف، وبكل ما قالوه أو وصفوه لم يؤدوا حتى تعريفه وبيان كنهه، وما ذاك إلا لأن القرآن كبير وعظيم بحيث لا تستوعبه المرايا الموجودة.
إن جميع ما قاله القائلون وكتبه الكاتبون في حق هذا الكتاب العظيم ليس إلا كقطرة من الماء، ترشح من خلال الأمواج المتلاطمة في البحار العظيمة، فيتسنى لها الظهور مع تلاطم الأمواج، ولكن سرعان ما تختفي وتضيع ضمن المقادير المتكاثرة في المياه، ولكن هذا لا يمنعنا من وصفه، والغوص فيه، والتحدث عنه بما يتلاءم مع أفكارنا وعقولنا القاصرة في إعطاء حقه من البيان، فكل منا يكيل منه بمكياله، ويغرف منه بمقدار همته واستيعابه، فإنه كما يقول الأديب الفارسي: (إن لم يمكنك قطف الوردة من الشجرة فكن من الملازمين لها لتحسب من محبيها).
- الوحي الإلهي على نبي الرحمة (ص) وأكمل الكتب السماوية:
القران صناعة إلهية، لم يتدخل في تأليفه وتنسيقه أي فكر بشري، حتى النبي (ص)، إنه وحي كله، نزل من عند الله عز وجل على خاتم أنبيائه محمد المصطفى (ص)، لسعادة البشرية الدنيوية والأخروية.
وعلى ضوء التواتر الموجود نحكم: بأن القرآن الموجود في أيدينا هو الكتاب نفسه المنْزل على محمد (ص) قبل أربعة عشر قرنا بالقطع واليقين، لم يتغير عبر هذا الزمن الطويل، لا نظما ولا معنى، فهو محفوظ من كل أنواع الزيادة والنقصان، أو التغيير والتحريف.
القرآن الكريم آخر وأكمل الكتب السماوية وناسخها، وبما أنه الكتاب المعجز الحاوي لجميع الشؤون والمسائل البشرية، وهو الكتاب الوحيد المرشح لأن يكون مواكبا للبشرية على مختلف الأزمنة والأمكنة إلى يوم القيامة، فهو خاتم الكتب السماوية، كما أن الرسول الأعظم (ص) خاتم النبيين.