لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله لطف لا يتم النظام ولا يبقى إلا به الى يوم القيامة وهو المبلغ عن الله والمؤدي عنه تعالى الى الخلق ما به بقاؤهم ما دام التكليف وما به سعادتهم الأبدية وكان ما يؤديه عن الله سبحانه يتجدد آنا فآناً بتجدد أحوال المكلفين الى يوم الدين وهو ايبقى الى آخر التكليف بل يجري عليه
الشيخ الأوحد قدس سره
التغير والموت لأنه صلى الله عليه وآله عبد مخلوق ولا يجوز في الحكمة رفع حكم النبوة لأنه لطف واجب ما دام التكليف وجب في الحكمة نصب خليفة يقوم مقامه ويؤدي عنه الى الأمة أحكامه حافظ لشريعته قائم بسنته لئلا تبطل حجة الله البالغة على الخلق المكلفين ولا بد أن يكون في الخليفة جميع ما ذكر في حق النبي صلى الله عليه وآله من كونه أعلم أهل زمانه واتقاهم واعبدهم وازهدهم وانجبهم وغير ذلك وكونه معصوماً من الذنوب الصغاير والكبائر من أول عمره الى آخره معصوماً من الكذب والخطأ والنسيان وغير ذلك من جميع ما يعتبر في حق النبي صلى الله عليه وآله إلا النبوة لما ثبت أنه صلى الله عليه وآله خاتم النبيين فلا نبي بعده وإنما اشترط ذلك في الخليفة لأنه قائم مقام نبيه صلى الله عليه وآله في جميع ما يحتاج إليه ساير المكلفين من أحكام لأنه حافظ شريعة وهو لطف من الله واجب عليه تعالى في الحكمة كما وجب النبوة على حد واحد فلا بد أن يكون متصفاً بصفات نبيه صلى الله عليه وآله بحيث يحصل للمكلفين القطع بأنه حجة الله وإن قوله قول تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وآله وحكمه ووجوب طاعته والتسليم له والرد إليه على جهة القطع . ولابد أن يكون مطهراً منزهاً عن كل ما يلزم منه نفرة القلوب وعدم الاطمئنان في جميع الأحوال ومن كان بهذه الصفات لا يطلع عليه إلا من يطلع على السرائر ويعلم الضمائر وهو الله وحده فليس ذلك الى أحد من الخلق ولا يعلم ذلك إلا بنص خاص من الله عز وجل على شخص وذلك لطف واجب من مقتضى العدل والقادر الحكيم عز وجل لا يخل بواجب لأنه قبيح وهو يتعالى عن فعل القبيح لغناه المطلق ولم يكن في الأمة من تجتمع عليه شروط النبوة غير كونه نبياً إلا علي بن أبي طالب عليه السلام لأنه معصوم من كل رذيلة عصم منها النبي صلى الله عليه وآله وشريكه في كل فضيلة إلا النبوة وقد نص الله سبحانه عليه في كتاب فقال : { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون } فقد تواترت الروايات وكلام المفسرين من الفريقين بأنها نزلت في علي عليه السلام حين تصدق بخاتمه وهو راكع لا ينكر ذلك إلا مكابر مباهت . فأثبت الله عز وجل لعلي عليه السلام بنص كتابه العزيز ما أثبت له تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله من الولاية ولا معنى للولي هنا إلا أنه أولى بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور دنياهم ودينهم وآخرتهم لأنها هي الولاية التي ثبتت لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله ولهذا نبه على ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله يوم غدير خم على ما رواه الفريقان من طرق متعددة بلغت حد التواتر باعتراف الخصم بقوله لهم : (( ألست أولى من أنفسكم ))؟ قالوا بأجمعهم : بلى يا رسول الله فقال :(( من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله )) .
أقول : هذا قول من قال الله في حقه :{ ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }
وقال فيه : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } وقال فيه : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى }
وقال فيه:{ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين }
وقد روى الفريقان أنه صلى الله عليه وآله قال : (( علي اقضاكم ))
وقال : (( علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار ))، وأمثال ذلك . فإذا ثبت أنه كما سمعت وإنه معصوم مسدد من الله سبحانه يدور مع الحق حيث دار ثبت أنه يهدى الى الحق ولم يدل دليل على أن غيره من الصحابة بهذا المثابة لم يدع أحد من الأمة العصمة لأحد من الصحابة كما ادعيت له أفمن يهدى الى الحق أن يتبع ويتخذ إماماً يقتدى به لأنه عليه السلام لا يفارق الحق ولا يفارقه الحق يدور معه حيثما دار فهو نص مروي من الفريقين لا ينكر أحد على أنه لا يمون مع باطل في حال من الأحوال ولا نعني بالعصمة إلا هذا . فقد ثبت عند كل منصف وطالب للحق على جهة القطع من مثل هذا الحديث وهذه الآية على أن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فضل لأنه يهدي إلى الحق لأنه لا يفارق الحق والحق لا يفارقه فهو أحق أن يتبع بحكم الله سبحانه في كتابه على عباده :{ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }{ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } فهو الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيراً فهو المعصوم بالنص في كتاب الله وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وهو المنصوص عليه بالخصوص من الله ومن رسوله ولم يدع أحد من المسلمين ذلك لأحد من الصحابة والحمد لله رب العالمين .
والعلة الموجبة لنصب علي بن أبي طالب عليه السلام هي بعينها العلة الموجبة لنصب ابنه الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي ثم جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي ثم الخلف الصالح الحجة القائم محمد ابن الحسن صلى الله عليهم أجمعين . وجميع ما اعتبر في خلافة علي بن أبي طالب عليه السلام وقيامه مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وكونه حجة الله على خلقه الى غير ذلك مما أشرنا الى نوعه في حقه عليه السلام من الكمالات والفضائل المعتبرة في الواسطة بين الله سبحانه وبين خلقه كله معتبر في كل واحد منهم صلوات الله عليهم أجمعين وكذلك خصوص النص على كل واحد منهم من الله كما هو صريح حديث اللوح الذي رواه جابر بن عبد الله الأنصاري وغير ذلك من القرآن والأحاديث القدسية ومن رسول الله صلى الله عليه وآله ومن نص كل سابق على من بعده وكل ذلك بالتواتر الموجب للقطع إلا لمن سبقت له شبهة لأن ذلك واجب على الله عز وجل وهو تعالى لم يخل بواجب لعموم علمه وقدرته وغناه المطلق .
ويجب أن يعتقد أن القائم المنتظرعليه السلام حي موجود أما عندنا فلأجماع الفرقة المحقة على أنه حي موجود الى أن يملأ الله الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً وهو ابن الحسن العسكري الغائب المفتقد وأجماعهم تبعاً لإجماع أئمتهم أهل البيت عليهم السلام وأجماع أهل البيت عليهم السلام حجة لأن الله سبحانه أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً فيكون قولهم حجة لأنهم لا يقولون إلا الحق فأجماع شيعتهم حجة لكشفه عن إمامهم المعصوم عليه السلام وأما عند العامة فكثير منهم قائلون بقولنا ومن منهم : إنه الآن لم يوجد ومنهم من قال : بأنه عيسى بن مريم عليه السلام فما روى الفريقان من قوله صلى الله عليه وآله : (( من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية )) . يرد قولي هذين الفريقين لأنه صادق على من في زماننا هذا فإن من مات في زماننا هذا ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية . ولايصح إلا إذا كان الإمام عليه السلام موجوداً مع أنه لطف ما دام التكلف فلا يصح وجود التكليف بدون لطف موجود لأنه شرطه والمشروط عدم عند عدم شرطه فكل من قال : بأنه ولد ، قال بأنه موجود إذ لم يقل أحد بأنه ولد ومات ومن استبعد وجوده طول عمره فقد أخطأ الحكمة لأن الله عز وجل جعل له دليلاً لا يمكن رده وهو أنه خلق الخضرعليه السلام وجده هود عليه السلام وإنه ولد في زمان ابراهيم عليه السلام على أحد القولين المشهورين وهو الى الآن باق بل هو حي الى النفخ في الصور وهو آية دالة على القائم عليه السلام وابليس عدو الله باق الى يوم الوقت المعلوم فإذا جاز بقاء عدو الله وبقاء الخضرعليه السلام الذي هو الدليل على المصلحة الجزئية بالنسبة الى مصلحة بقاء محل نظر الله سبحانه من العالم وقطب الوجود فكيف لا يجوز بقاء من متوقف جميع مصالح النظام في الدنيا والآخرة على بقائه مع إن الأمة قد اتفقت رواياتهم وأقوالهم على أنه لابد من قيام القائم عليه السلام فبينه رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله : (( لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي أو من ذريتي أو من ولدي اسمه كاسمي وكنيته ككنيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ومن قال من العامة بأنه عيسى بن مريم كذبه هذا الحديث المتفق على معناه لأن عيسى عليه السلام ، ليس من أهل بيته ولا من ذريته ولا من ولده وليس اسمه كاسمه ولا كنيته ككنيته ومن قال : بأنه الإمام المهدي العباسي كذبه هذا الحديث لأنه ليس من أهل بيته ولا من ذريته ولا من ولده فلم يبق للمنصف الطالب للحق إلا القول : بأنه الثاني عشر من الأئمة عليهم السلام التاسع من ذرية الحسين عليهم السلام عجل الله فرجه وسهل مخرجه .
ويجب أن يعتقد وصاية أوصياء الأنبياء عليهم السلام ويؤمن بهم وإنهم وأنبيائهم قالوا : الحق عن الله سبحانه أثنى عليهم بطاعته وإجابته وعبادته وذكره وشكره ومن أثنى الله عليهم فقوله حق وعلمه وفعله حق . وإن يؤمن بكل ما أنزل الله عز وجل على لأنبيائه وأوصيائهم من كتبه ووحيه وبما أدته ملائكته إليهم لأن الله عز وجل أخبر بذلك وأخبر به نبيه محمد صلى الله عليه وآله وحججه الصادقون وكما كان كذلك فهو حق وصدق أشهد لهم بأنهم بلغوا ما أنزل الله إليهم وادوا الى عباده ما أمرهم بأدائه فهل على الرسل إلا البلاغ المبين .