وبهذا الشرح يتضح لك معنى ترك الأولى من الأنبياء عليهم السلام ؛ لا أنّه فتح باباً من أبواب غيب الله ، أو ألقى مفتاحاً من مفاتيح غيبه .. حاشاه .
وأمّا الغيب وبيانه يدل على أنَّ مقصوده من المفاتيح : بيان قاعدة علمية حكمية ، يفتح بها قسماً من مغلقات العلم والحكمة ، ويحلّ مشكلاتها .
نعم .. { فَقـُـــل إنَّمـــا الغيبُ للهِ } ، ولكن يجتبي من رسله من يشاء ، ورسوله المصطفى صلى الله عليه و آله وسلم هو المجتبى من رُسُله ، وكذلك أهل بيته بتعليمه ، { عَـــــالِم الغيبِ فَلاَ يُظهرُ على غيبهِ أحداً () إلا مَن ارتضَى مِـــن رسولٍ } ، ومحمد صلى الله عليه و آله وسلم هو المرتضى من رسول وكذلك أخوه علي المرتضى ، وسائر أهل بيته بتعليمه صلى الله عليه و آله وسلم .
( 11 ):أهل البيت عليهم السلام هم معانيه تعالى
قال الشيخ في صفحة (249) سطر (9) : ( إنَّهــم معانيه سُبحانه ، يعني : معاني أفعاله ، فهم علمه وقدرته ، وحكمه وأمره ، وعدله وعينه ، وأذنه ولسانه ، وقلبه ووجهه ، ونوره ويده ، وعضده وكتابه ) .
أقـــول : هذه الأسماء جاءت في روايتهم ( سلام الله عليهم ) ، ولا يلزم منها أنَّهــا أعضاء لذاته سبحانه ، بل نـَسبَتها إلى نفسه لشرفها وشرفهم ، كـــما نسب المسيح بن مريم عليه السلام رُوحــا لنفسه ، وقال في كتابه العـــزيز { إنَّمـا المسِحُ ابنُ مَريَمَ رَسولُ اللهِ وكلمتُهُ أَلقَاها إلى مَريَم ورُوحٌ منه} .
ونحن نقول : ( عيسى روح الله ) ، والرُّوح – على الظاهر – أعظم من الأسماء المذكورة .
وقال عزَّ من قائل : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } ، فعبَّر عنه صلى الله عليه و آله وسلم أو عن يده باليد ، ونسبها على نفسه .
وجـــــاء في الزيارة السادسة من زيارات أمير المؤمنين عليه السلام : >> السلام عليك يا باب الله ، السَّلام عليك يا عين الله الناظرة ، ويده الباسطة ، وأُذنه الواعية ، وحكمته البالغة ، ونعمته السـَّابغة << ، وقد ذكرها المرحوم الحاج الشيخ عباس القمي في كتابه مفاتيح الجنان .
وجـــــــاء أيضاً في زيارته التي أولها : >> السَّلام عليك يا أبا الأئمة ، ومعدن النبوة ، والمخصوص بالأخوة .. << .
إلى أن قال : >> الســـــلام على وجه الله الذي من آمن به أمِنَ ، السلام على نفس الله اتلقائمة فيه بالُّنن ، وعينه التي من عرفها يطمئن ، السلام على أذن الله الواعية في الأمم ، ويده الباسطة بالنِّعم ، وجنبه الذي من فَرَّط به ندم .. << ، إلى آخر الزيارة .
فــــالذي قال الشيخ عين ما يقوله الإمام عليه السلام ، ولم يقل شيئاً من عند نفسه ، ولم يكن له ذنب إلا اتباع الأحاديث المروية عنهم عليه السلام .
وأمَّا ما قلتم : ( من رأس الله وأنفه وبطنه وفخذه ) ، قياساً على ماقال الشيــخ ، وجاء في أخبارهم عليهم السلام ؛ فاستهزاء بأقوالهم عليهم السلام ، وهو ذنبٌ يحتاج إلى الاستغفار ، فالعين والأذن واليد تعبيرات عن المعاني العالية ، فإِنَّ الله تبارك وتعالى سميع و بصير ، واليد تعبير عن البطش : { إنَّ بَطشَ ربَّكَ لشديدٌ } ، وليس بمستنشق يشم شيئاً ، ولا يأكل ولا يمشي ؛ حتى يكون له أنف وبطن وفخذ .
وفي الحديث القدسي قال تعالى : >> لا زال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها << ، ولم يقُل : ( بطنه وأنفه وفخذه ) ، نعوذ بالله من هفوات اللِّسان و القلم ، فالإقتصار على ما نُقِلَ عنهم وجاء فيهم هو المذهب .
ومن جملة فقرات حديث الصحابة الكبير قال علي عليه السلام : >> أنا عين الله في أرضه ، أنا لسان الله الناطق في خلقه ، أنا نور الله الذي لا يُطفأ ، أنـا باب الله الذي يُؤتى منه << .
وجــاء في دعـــاء كل يوم من شهر رجب ، المنسوب للإمام الحجة ( عجل الله فرجه الشريف ) : >> أعضاد وأشهاد ، ومناة و أذواد ، وحفظة وروُّاد ، فبهم ملأت سماءك و أرضك ، حتى ظهر أن لا إله إلا أنت << .
( 12 ):عدم تحمُّل رؤية أجسادهم النورانية عليهم السلام
قال الشيخ في صفحة (281) سطر (13) : ( اعلم ؛ أن أجسادهم و أجسامهم عليهم السلام في غاية اللَّطافة ، وبحيث لا تدركها الأبصار ، بل ولا البصائر .. و إنما لبسوا من الصورة البشرية ) .
أقول : هذا لا ينافي الواقع و الحقيقة .
وقولكم في ردِّه : { لاَّ تدركه الأَبصار وَهو يدركُ الأبصَارَ وهُو اللطيفُ الخبيرُ } ، ليس في محلِّه ؛ لأن الملك والجن والشيطان أيضاً من الموجــودات التي لا تدركها الأبصار ، قال عزَّ من قائل : { إنه يراكُم هُوَ وَ قبيلُهُ مِن حيثُ لا ترونهم } ، يعني : الشيطان وقبيله ، وهناك أيضاً من الموجودات الدقيقة الصغيرة التي لا تدركها العيون المجردة ، فالآية الشريفة ليست للحصر ، بل هي في ردَّ من يقول : ( أنَّ الله يُرى ) ، مُستدلاً بالآيات المتشابهة أمثال : { وُجوهٌ يومئذٍ ناضِرةٌ () إلى رَبِّها ناظِرَةٌ } .
وأمـَّــــا عدم درك البصائر لحقائقهم قال أمير المؤمنين عليه السلام : >> ظاهري إمامه وولاية ، وباطني غيب منيعٌ لا يدرك << ، فليس لعقول أمثالنا إلى درك أنوارهم وحقائقهم طريق .
وجاء في كتاب تأويل الآيات ، عن الطوسي ، عن المفضل بن شاذان ، قال الإمام موسى بن جعفر عليه السلام بعد كلام طويل : >> ظاهرهما [ يعني محمداً صلى الله عليه و آله وسلم وعلياً عليه السلام ] بشرية ، وباطنهما لا هوتية ، ظهرا للخلق على هياكل الناسوتية ؛ حتى يطيقوا رؤيتهما ، وهو قوله تعال : { ولَلَبسنَا عَلَيهِم مَّا يلبِسُونَ } ...) .
( 13 ):كرم الله ورحمته هم عليهم السلام
قال الشيخ في صفحة (285) سطر (4) : ({ وَ للهِ الأَسمـاءُ الحســــــنى } – أي : ملكه وخلقه – فادعوه بها ، فتقول يا كريم !، يا رحيم !، يا جواد !، ياغفور!، .. وهكذا إلى سائر أسمائه ، وهي هم عليهم السلام ) .
أقـــــــول : يعني الكرم هم ، والرحمة هم ، والجود هم ، والغفران هم ، كما قال قبل هذا بسطرين في أوَّل الصفحة ( ومعنى ذلك : إنَّا مثلاً إذا قلنا : يـــارحيم ! فإنا ندعو معبوداً وُصف نفسه برحمة حادثة ، خلقها واشتقها من لطفه ، وهم عليهم السلام تلك الرحمة الحادثة ، ولا نريد بها الرحمة التي هي ذاته ) .
وقال – بعد ذلك الكلام الذي نقلتموه مقطوع الطرفين -: (ففي تفسير العياشي عنه عليه السلام قال :>> إذا نزلت بكم شدَّة فاستعينوا بنا على الله ، وهو قول الله تعال : { وللهِ الأَسمــاءُ الحُسنى فادعوهُ بها }. قال : نحن و الله الأسماء الحسنى ، الذي لا يقبل الله عملاً إلا بمعرفتنا << .. ) إلى ما ذَكَر من الأخبار في هذا المضمار .
أقول : مثاله ؛ كما نقول : ياكريم ! يارؤوف ! يارحيم ! بكرمك ورأفتك ورحمتك ، وكذلك نقول : بمحمد وعلي ، وفاطمة والحسن والحسين ، والأئمة المعصومين من ولد الحسين عليه السلام ، كما جاء في دعاء ليالي القدر عند رفع القرآن على الرأس .
وأما لفظة ( الله ) فهي مختصة لله سبحانه فلذا لم يذكره الشيخ في جملة أسمائه تعالى وإدخالكم هذا الاسم من عند أنفسكم قياس باطل وافتراء على الله .
( 14 ):الحقـيـقة و الوجـود المطـلق
قال الشيخ في صفحة (330) سطر (23) : ( إن الحقيقة المحمدية قد مــــلأت الوجود المطلق ، الذي ليس وراءه ، وإنما وراءه وجوب ، فالحادث الممكن غير الحقيقة المحمدية وفلك الولاية ليس له مكان هناك ) .
أقــول : الوجود الحق : هو واجب الوجود ، الذي وجوده عين ذاته ، فلا يدخل في المَقسَم ، ولا يُقاس بوجود الممكنات .
والوجود المطلق : هو عالم المشيئة ، الذي ليس وراءه إمكان ، والحقيقة المحمدية ؛ التي هي مظهر ذلك العالم ، وقد ملأت ذلك العالم بقدرة الله تعالى .
والوجود المقيد : هو سائر الممكنات
و عند الَّشيخ : الوجود المطلق – أعني : المشيئة – حادثٌ ، تَبعاً للأخبار المروية في الكافي ، وموافقا لعقيدة شيخ الإسلام الكليني ( عليه الرَّحمة ) ، ومن جملة الأخبار >> خلق الله الأشياء بالمشيئة ، وخلق المشيئة بنفسها << .
فالمشيئة : مخلوقة ، كما أنَّ محلها مخلوق ؛ وهو الحقيقة .
فالشيخ في هذه الفقرة المنقولة يقول : إنَّ الحوادث و الممكنات غير الحقيقة المحمدية وفلك الولاية ليس لهما مكان هناك ، يعني ذلك العالم ( عالم المشيئة ) محظور على الحادث ، إلا على أشرف الحوادث ، فهي الحقيقة و الولاية .
فلا إشكال في هذا الكلام ، بل هو كلام متين ، مُوافق لأخبارهم عليهم السلام ، ومن جملة الأخبار الصحيحة ما جاء في غيبة الشيخ ، عن كامل بن إبراهيم المدني ، قال : الحجة ( أرواحنا فداءه ) : >> وجئت تسأله عن مقالة المفوضة ؛ كذبوا ، بل قلوبنا أوعية مشيئة الله ...<< إلى آخر الخبر .
نعم .. أنتم إخواني العلماء ؛ حذفتم كلمات من آخر كلام الشيخ الذي نقلتموه لنا ، فالعكس المعنى ، و أفاد كما فسَّرتم ، والكلمات المحذوفة هذه : ( وفلك الولاية ليس لَه مكان هناك ) ، كما ذكرتها في هذا البحث ، و أتممت كلامه بما جاء في كتابه .
قال الحجة ( عجَّل الله فرجه ) في دعاء كل يوم من شهر رجب : >> وآياتك ومقامتك التي لا تعطيل لها في كل مكان << .
إلى أن قــال ( أرواحنا فداه ) : >> فبهم ملأت سماءك و أرضك ، حتَّى ظهر أن لا إله إلا أنت << ، والدعاء مذكور في مفاتيح الجنان .
أقول : أمِنَ العدل أيُّها العلماء ، وهل من الإيمان و الأمانة أن تحذفوا كلمة من جملة كلمات المؤمن ، التي يحذفها ينعكس المعنى ويشوه المقصود ، وتقدِّمون كلامه ناقصاً للقرَّاء ، فكلامه التام الكامل الذي يدل على الحق والصواب تفسرونه بالباطل والخطأ ؟! .
ماهذا شأن العالم حاشا ، ولا شأن المؤمن ، ولا شأن المنصف ، وإلا لم يكن مؤمناً ، فهذا المضلوم يعتقد بحدوث ماسوى الله تعالى ، والمشيئة و الحقيقة و الولاية في رأس الحوادث .
فيا أيها العلماء ؛ من جملة علائم الإيمان – كما تعلمون – صدق الحديث ، والكذب من علائم النفاق ، فأين الإيمان أيها الإنسان ؟! ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العَّلي العظيم .
( 15 ):خـلـق الـملائـكـة بـعـد أهل البيـت عليهم السلام
قال الشيخ في صفحة (346) سطر (12) : ( وجبرائيل من حقيقة محمد صلى الله عليه و آله وسلم ، شأنٌ من شؤونه ، وشعاعٌ من نوره ) .
أقول : وهذا القول مطابق لما في الأحاديث ؛ من أنَّ ما سوى الله حى الأنبياء و المرسلين و الملائكة المقرَّبين خلقهم الله بعد خلق المعصومين عليهم السلام من شعاع نورهم ، وفي بعض الأخبار أن جبرائيل يأخذ من ميكائيل ، وميكائيل من إسرافيل ، وإسرافيل من ملك أعظم من الملائكة .
أو يأخذ من اللوح المحفوظ .
و يقول أمير المؤمنين عليه السلام : >> أنا اللوح المحفوظ << .
كما أنه قد تلا في اليوم الثالث من تولُّده على يد رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم { بَسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ () قَد أَفلحَ المُؤمنونَ () الذينَ هُم فِي صلاتِهم خَاشِعونَ } إلى آخر الآيات ، وهذا متفق عليه بين الشيعة .
ولا عجب .. فإنه مُعلم جبرائيل .
وقد تعلم جبرائيل وزملاؤه وجميع الملائكة منه التَّسبيح و التكبير والتهليل .
فالحقيقة المحمدية أفضل من جبرائيل من غير شكِّ ، وجبرائيل هو المفضول ، و الحكيم ولا يُقدِّم المفضول على الفاضل ، ولا يكون الفاضل مُتعلِّماً من المفضول .
( 16 ):هم عليهم السلام معاني أفعاله عَـزَّ وَجـل
قال الشيخ في صفحة (380) سطر (30) : ( و أسماؤه تعالى اللفظية مسمياتها ذواتهم ، و أسماؤهم المعنوية ؛ إذا ليس لَه تعالى أسماء إلا أسماء أفعاله ، وهم معاني أفعاله ) .
أقول : هذا رأي حُكماء الشيعة وعُرفائهم من أئمتهم عليهم السلام ، قال العلامة السَّيد كاظم المعاصر الطهراني في تفسيره المشهور : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، إن الله ليس له اسم ولا رسم ، وإن الخالق و الرازق ، والمحيي والمميت ؛ أسماء لجبرائيل وميكائيل ، و إسرافيل وعزرائيل ، و إنَّ الرحمن الرحيم وبقية الأسماء ؛ أسماء للحقيقة المحمدية ، أو العقل ، أو الصَّادر الأول ) إلى آخر ما قاله وكتبه ، ونشره ودرسَّه لتلاميذه في الكلية والجامعة ، في مدرسة سبهسالار ، ولم يُنكر عليه أحد من علماء الشيعة حتى الآن .
وكذلك هذا القول عند سائر الحكماء ، ولا إشكال أن الله عز وَجل هو الخالق والرازق و المحيي و المميت حقيقة ، ولا مؤثِّر في الوجود إلا هو ، ولكن تسمية غيره بهذه الأسماء مجاز ؛ لأنَّ الغير مظهر لذلك الفعل ، ومن جملة أسباب الوجود ، وهو سُبحانه مُسبِّب الأسباب ، كما قال تعالى : { الله يَتَوَفى الأَنفسَ حِينَ مَوتِها } وقال : { قُل يتَوفاكُم ملَكُ المَوتِ الذِي وُكِّلَ بِكُم } ، فيُقال لعزرائيل : ( المُميت ) مجازاً .
قال السَّجاد عليه السلام في رواية الخيط الأصفر : >> فأما المعاني فنحن معانيه وظاهره فيكم << .
فهم ( سلام الله عليهم ) أعظم الأسباب ، و أقرب الوسائل إلى الله تعالى من غير شك .
( 17 ):هـم عليهم السلام فـوق بني آدم عليه السلام
قال الشَّيخ في صفحة (381) سطر (28) : ( فإنهم إنما يدخلون في النوع ظاهراً ، وإلا ففي الحقيقة هم خلق آخر فوق بني آدم ) .
أقول : هذا قول صحيح ، وهو صريح الأخبار الواردة عنهم عليهم السلام ، غهم تلك الأشباح التي رآهم في عرش الله .
وقد خُلقوا قبل آدم من نور الله عز وجل ، فاستدعوا في صلبه ، ثم في الأصلاب الطاهرة ، والأرحام المطهرة وهم أنوار ، وتقول في زيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام : >> أَشهَدُ أَنكَ كُنتَ نُوراً فِي الأصلابِ الشامخَةِ ، و الأرحَامِ الطاهِرةِ ، لَم تُنَجسكَ الجاهِلِيَّةُ بِأنجاسِها ، ولَم تُلبِسكَ المُدلهمَّاتُ مِن ثِيابِها << .
فظهروا على صورة البشرية ، فظاهرهم بشرية ، وباطنهم لاهويتة ، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام ، وكما مرَّ عليكم من الرواية المروية عن الطوسي ( عليه الرَّحمة ) .
( 18 ):لا يقبل عمل إلا بهم عليهم السلام
قال الشيخ في صفحة (433) سطر (14) ( وإذا كان غنياً لذاته ؛ لم يرد شيئاً لذاته ؛ وإنما يريد لغيره ، وهم ذلك الغير لا غير ، وأيضاً الطاعة حادثة ، ولا تُنسَــب إلا إلى حــادث وهم ذلك الحادث ، المنسوب إليه الحادث ) .
أقول : لا إشكال في هذا القول ، وقد قال الله سبحانه : { مَّن يُطِعِ الرَّسُلَ فَقَد أطاعَ اللهَ } ، وقال عز من قائل : { وَ مَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذوهُ وَمَا نَهَاكُم عنهُ فَانتهٌوا } ، فطاعتهم طاعة الله .
وقد فسَّر الشيخ كلامه بعد أسطر وقال :
( أمَّا نسبة الإيقاع : فَبِأن يوقها المطيع لله تعالى وحده ...
وأمَّا نسبة التعيين : فَبِأن يأخذها وكيفيتها عنهم عليهم السلام بشروطها ، من ولايتهم ومحبتهم ، والتسليم لهم ) إلى آخر ماقال .
فمقصوده : أنَّ الطاعة واقعاً لله تعالى وحده ، ولكن بواسطتهم .
( 19 ):هـم عليهم السلام الوسائط فـي جميع فيوضات الحق تعالى
بقيت فقرة من تلك الفقرات وهي أن الشيخ قال في صفحة (433) سطر (23) : ( ومن حيث إنه تعالى حصر شؤونه فيهم عليهم السلام ، وحصر حوائج الخلق عندهم ) .
أقــــــــــــــول : يعني جعلهم الواسطة الوحيدة لقضاء حواءجهم ، وليس معنى هذا الكلام التفويض ، ولا نفيه ولا سلبه عن الله تعالى ، فهو القاضي للحاجات وحده ، بل هم الباب و الوسيلة ، كما في هذه الفقرة من الزيارة : >> مَن أَرادَ اللهَ بَدأَ بِكُم ، وَمَن وَحَّدَهُ قَبلَ عَنكُم << ، وقال تعالى : { مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أطاعَ الله } ، فحصر طاعة الرسول ، والأخبار في أنهم الوسيلة إلى الله كثيرة .
نعم .. الشؤون والحوائج تنحصر عندهم ، ولكن منهم إلى الله سُبحانه ، فلا تصل إليه دعوة إلا بهم وبوسيلتهم ، والأمر كله لله قال عز وجل { يَا أَيُها الذِن آمَنوا اتَّقُوا اللهَ وابتَغُوا إليهِ الوسيلَةَ } .
في العيون عن الني صلى الله عليه و آله وسلم : >> الأئمة من وُلد الحسين عليه السلام ، من أطاعهم فقد أطاع الله ، ومن عصاهم فقد عصا الله ، هم العروة الوُثقى ، والوسيلة إلى الله <<.
في كتاب الغيبة بإستناده عن الصادق عليه السلام قال : >> إِذا أَرادَ اللهُ أَمراً عَرَضَهُ عَلى رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ، ثم أمير المُؤمنينَ وِسَائرِ الأئمة عليهم السلام ، واحداً بعد واحدٍ ، إلى أَن ينتَهِيَ إلى صَاحِبِ الزَّمان عليهم السلام ، ثُم يخرٌجٌ إلى الدٌنيَا << .
وإذا أرادَ الملائكة أن يٌرفعوا إلى اللهِ عز وجل عَمَلاً عُرِضَ على صَاحِبِ الزَّمان عليه السلام ، ثُمَّ عَلَى واحِدٍ وَاحِدٍ إلى أَن يعرض على رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ، ثُمّ يُعرَضُ عَلَى اللهِ .
فـــــــــما نزل من اللهِ فَعَلى أيديهِم ، وَمَا عَرَجَ إلى اللهِ فَعَلى أيديهِم ، وما استغنوا عنِ الله عز وجل طَرفَةَ عَينٍ << .
فما نزل من الله فعلى أيديهم ، وماعرج إلى الله فعلى أيديهم ، وما استغنوا عن الله طرفة عين ، وهذه هي العقيدة الوسطى ، كما قالوا عليهم السلام :>> وشيعتنا النمط الأوسط << .
أقـول : إن الله خلق الموجودات لهم ، وأمرها بطاعتهم ؛ لأنَّه غني عن كلِّ شيء قال عز وجل في حديث قدسي : >> خلقتك لأجلي ، وخلقت الأشياء لأجلك << .
و قال في حديث الكساء : >> اشهدوا ملائكتي ، وسكان سماواتي ؛ أنِّي ما خلقت سماءً مبنية ، ولا أرضاً مديحَّة ولا .. ولا .. ولا .. ؛ إلا لأجل هؤلاء الخمسة << .
و قال أمير المؤمنين عليه السلام : >> نحن صنائع الله ، والخلق بعد صنائع لنا << .
فلمَّا كان الوجود بأسره قد خلقه الله لهم ؛ فطاعتهم واجبة عليهم بأمر الله تعالى ، وهم عليهم السلام يطيعون عقلهم ، ويأتمرون بأوامره ، والعقل الكلي هو عقلهم الشريف ، وهو أول ما خلق الله ، الذي قال لَه : >> أقبل فأقبل ، أدبر فأدبر .. << .
وهو بكليته نور طاعته ، لأنه عز وجل لا يشوبه شيء غير النور و الطاعه .
وحتى أنت أيها القارئ الكريم : إذا أطلعت عقلك فقد أطلعت الله ، فليس فوق هذا ولا دونه كلام .
" نصيحة "
فيا أيها الموقِّعون في كتابكم لنا باسم : ( علماء الشيعة الإمامية ) ، لو أنكم تدبَّرتم في كلمات الشيخ والآيات و الراويات التي نقلها في كل باب ؛ لفزتم بالحق والصواب ، فإن كلَّ فقرة من الفقرات المذكورة لها بيان واضح ، وتفصيل قبلها أو بعدها ، ولكنَّكم حذفتم من أولها كلمات ، وتارة من آخرها وما أنصفتم .
و أقـــول – أيضاً - : إنِّي قد اختصرت في جواب رسالتكم ؛ لكثرة الأعمال ، وتراكم الأشغال عليَّ ، وكذلك تواتر الرَّسائل والمسائل من المناطق القريبة و البعيدة ، من إخواني العرب و العجم ، ولو سمح لي المجال لألفت كتاباً ضخماً في شرح تلك الفقرات ، وبيان مقصوده ، وتفسير الآيات النازلة والراويات الواردة في إثباتها ، وأرجو أن يكون الذي كتبت وسطَّرت كافياً وافياً شافياً .
وغفر الله لي ولكــــم ، ولجميع المؤمنات ، بحق محمد و آله الطاهرين ، صلى الله عليهم أجمعين .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
إزالة شبهة
أقـــول : وقد أضفتم على مقالتكم هذه الكلمة بعد مضي شهر كامل وقلــــتم : ( انتظرنا الأسكوتي شهراً كاملاً ليقوم بتنفيذ ما في هذه الرسالة ؛ إظهاراً للحق ، وإزهاقاً للباطل في هذا الكتاب .. ) إلى آخر ما قلتم .
أقــول ثانياً : أيُّها العلماء الذين أخفيتم أنفسكم وعنوانكم وأسماءكم ، ولا عبرة عند العقلاء في رسالة ليس فيها ولا توقيع ، وهل أنَّ كلمتكم هذه نزلت من السماء ؟! ، أم وحى إليكم رب الأرض و السَّماء ، حتى أقوم بتنفيذها من غير تدبُّر ؟! .
نعــــــم .. استلمت هذه المقالة ( رسالتكم ) بعد مدة طويلة ، وأنا في إيران ، وأحطت بما فيها علماً ؛ فرأيت جلَّها بل كلَّها مخالفة لعقيدة الشيعة الإمامية ، وهي كلمة جاهل أو متجاهل ، يحبُّ الفتنة ، ويبغض أهل الولاء ، وحب الشيء يعمي ويصم ، كما أن بغضه يعمي ويصم .
وإنِّي على يقين من علم بأنَّ : كتاب ( شرح الزيارة الجامعة ) ؛ للشيخ الأحسائي ( أعلى الله مقامه ) كتابٌ شيعي إمامي ، لم يندرج فيه إلا مذهب أهـل البيت ، وما جاء عنهم عليهم السلام في الدَّعوات و الزيارات و الأخبار و الأحاديث ؛ كما تقرؤونها في جوابي الذي مرَّ عليكم .
وإنَّ صاحب هذا الكتاب عالم حكيم ، تقيٌّ زاهد ، من أكابر علماء الإمامية ، كمــــا نصَّ على علوِّ مقامه أعلام الشيعة ، وأجازوه بإجازات معتبرة ، و أخيراً الفيلسوف الكبير ، والعالم الشيعي الشهير ؛ الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ، والمؤلف الكبير ، الشيخ آغا بزرك الطهراني ( أعلى الله مقامهما ) ، وهما أعلى و أتقى و أزكى منكم .
ألا لعــــــنة الله على الغالين ، والقائلين بالحلول ، والقائلين و المقصِّرين ، و المنكرين لفضائل أهل البيت عليهم السلام ، والكذَّابين و المفترين جميعاً .
والسلام على من اتخذ النَّمط الأوسط ، واتبع أئمة الهدى ،
ورحمة الله وبركاته .
hgfhf