وزعمتم أنها خارجة عن عقيدة الشيعة، وعاتبتموني في تجديد طبعه ، وطلبتم مني نهي الناس عن مطالعته ، أو الأمر بإعدامه .
نعم .. لو كنت عثرت على خطأ فيه أو كلام مخالف للمذهب ، أو متشابه لا يقبل التأويل ، أو لم يوجد في كلماته محكم يزيل الشك لما أمرت بطبعه أبداً ، ولكن رأيته موافقاً لما جاء في الكتاب وروايات أهل البيت عليهم السلام .
وإني أتصور أن إنكاركم لهذا الكتاب أو لهذه الفقرات ناشئة من قلة التدبر في الأحاديث النبوية ، والأخبار التي وردت عن اهل بيت العصمة عليهم السلام المؤيدة لها .
والحقير .. يقدم إلى حضراتكم بعضاً من رواياتهم في إثبات صحة كل فقرة من تلك الفقرات ؛ حتى يتبين أن المرحوم الشيخ أحمد الأحسائي لم يقل كلمة ولم يسجل عقيدة إلا عنهم ، وعن كلماتهم ( صلوات الله عليهم ) فردكم في الواقع عن الإمام ، والراد على إمامه كالراد على الله ، وهو في حد الكفر ( نعوذ بالله ) .
ومع كل الأسف يا إخواني الأفاضل أنكم لم توقعوا أسمائكم في تلك الرسالة ، ولم تشيروا إلى عنوانكم ، حتى أرسل إليكم جوابي مستقيماً أو أحظى لصحبتكم والمباحثة معكم ، عسى ولعل أن نفوز بالأتفاق والمحبة ورفع الشكوك .
وعلى أي حال : قد أستلمت رسالة ؛ فيجب علي جوابها وإن كان صاحبها مجهولاً ، فإني أحب النجاح و الإنجاح ، أسئل الله أن يوفقني لمعرفتكم ومصاحبتكم وللصلاح والإصلاح ، إنه عليم حكيم .
فالواجب – كما هو العادة – أن أذكر ما ذكرتم من كلمات الشيخ المتشابهة عندكم أولاً ، ثم أفسرها وأحل مشكلاتها .
جــاء فـي رسالتــكم :
(1): معــنى الــوحي
قال الشيخ أحمد بن زيد الدين الأحسائي في صفحة (36) سطر (8) من كتابه المسمى ( شرح الزيارة ) بعد كلام مسهب ما لفظه : ( ومما يدل عليه العقل من ذلك فهو ما أتلو عليك فاستمع لما يتلى } إن هو الا وحي يوحى { .. ) .
أقـــول : قد استوشحتم من كلمة : }إن هو الا وحي يوحى { و قلتم إنه يدعى الوحي الذي يوحى إلى الأنبياء عليهم السلام .
كلا .. بل هذا شائع بين أهل العلم ، إذا جاء أحدهم بتحقيق أنيق في مسألة لم يسبق إليه سابق ، وكان عنده بكراً قال : ( إنه وحي من الله ) ،يعني : إلهام منه عز وجل ، كالوحي إلى أم موسى عليها السلام ، أو الى حواري عيسى عليه السلام . حتى أن بعض العوام – أيضاً – عند توفيقه لعمل نافع ، أو لكلام معين يقول : ( هذا وحي من الله ) ، فلا عجب إذا من الشيخ في قوله هذا فليحسن المؤمن الظن في حق أخيه .
في الروضة من الكافي عن الكميت بن زيد الأسدي قال ؛ دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقال : >> والله يا كميت! ، لو كان عندنا مال لأعطيناك منه ، ولكن لك ما قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم لحسان بن ثابت ( لن يزال معك روح القدس ما ذببت عنا ) << .
وهل معية روح القدس محلهما ، وهو أفضل منهما ، أو مثلهما في نشر فضائلهم عليه السلام ؟ !
وهذا واضح إن شاء الله .
( 2 ):انتساب الشيعة لأهل البيت عليه السلام
قال الشيخ في صفحة (36) في أوائل سطر (19) : ( لأن أعمال شيعتهم منهم ولهم ؛ ولهذا كانت ذنوب شيعتهم عليهم ولا يلزم منه : { ولا تزر وازرة وزرة اخرى }.
أقول : { بسم الله الرحمن الرحيم () إنا فتحنا لك فتحا مبينا () ليغفر الله ماتقدم من ذنبك وما تأخر .. } .
وفي المجمع القمي عن الصادق عليه السلام ؛ أنه سئل عن هذه الآية فقال : >> ما كان له بذنب ، ولكن الله سبحانه حمله ذنوب شيعته ، ثم غفرها له .
فالعلة في تحمل ذنوب شيعته عليه ؛ لأنهم أوراق تلك الشجرة الطيبة ، الزيتونة التي أصلها رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ، وفرعها أمير المؤمنين عليه السلام فعن عمر بن سالم صاحب السابري قال ؛ سألت أبا عبدالله عليه السلام عن هذه الآية :{ أصلها ثابت وفرعها في السماء } ، قال : >> أصلها رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ، وفرعها أمير المؤمنين عليه السلام ، والحسن والحسن ثمرها ، وتسعة من ولد الحسين أغصانها ، و الشيعة ورقها ، والله إن الرجل منهم ليموت فتسقط ورقة من تلك الشجرة .
قلت : قوله عز وجل {{ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها }} ؟ .
قال : ما يخرج من علم الإمام إليكم في كل سنة من حج وعمرة .
والذي قاله الشيخ هو ما قاله الصادق عليه السلام ، والراد على الصادق عليه السلام ليس بجعفري ولا إمامي .
( 3 ):رتبة أهل البيت عليهم السلام
قال الشيخ في صفحة (57) في أول سطر (10) منه ما لفظه : ( فأول من خلق محمد صلى الله عليه و آله وسلم ، ثم علي عليه السلام ، ثم الحسن عليه السلام ، ثم الحسين عليه السلام ، ثم القائم عليه السلام ، ثم الأمة الثمانية عليهم السلام ، ثم فاطمة عليها السلام ) .
لقد أنكرتم عليه ما ذكر من ترتيب خلقهم ( سلام الله عليهم ) .
أقــول : أمـــا محمداً صلى الله عليه و آله وسلم خلقه الله قبل كل شيء حتى قبل علي عليه السلام وأهل بيته وأبنائه المعصومين عليه السلام ، فهو مما اتفق عليه الخاصة والعامة ، والأحاديث فيه متواترة ، منها قول رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم : >> أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر<<.
وأما علي عليه السلام : فقد خلقه الله بعد محمد صلى الله عليه و آله وسلم ، وقبل سائر المعصومين عليهم السلام ، وهذا من المسلمات عند الشيعة الإمامية ، بل عند غيرهم أيضاً ، والأخبار فيه كثيرة.
منها : في كتاب تأويل الآيات الطاهرة في العترة الطاهرة للسيد شرف الدين النجفي ، عن الشيخ أبي الشيخ جعفر الطوسي ، عن الشيخ أبي محمد الفضل بن شاذان بإسناده ، عن رجاله ، عن جابر بن يزيد الجعفي ، عن الإمام العالم موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام قــال : >> إن الله تبارك وتعالى خلق نور محمد صلى اله عليه وسلم من نور اخترعه من نور عظمته وجلاله ، وهو نور لاهوتيته ، الذي تبدى وتجلى لموسى بن عمران << .
إلى أن قـــال : >> وكان ذلك النور نور محمد صلى الله عليه و آله وسلم ، فلما أراد أن يخلق محمــداً صلى الله عليه و آله وسلم منه ، قسم ذلك النور شطرين ، فخلق من الشطر الأول محمــداً ومن الشطر الآخر علي بن أبي طالـب ( عليهما وآلهما الصلاة والسلام )، ولم يخلق من ذلك النور غيرهما .. << .
وأما خلق الحسن عليه السلام قبل الحسين عليه السلام قبل أبنائه عليهم السلام ، والقائم عليه السلام قبل الثمانية عليهم السلام ، قبل فاطمة (صلوات الله عليهما وعلى أبيهما وبعلها وبنيها )؛ راجع إلى رتبتهم عليهم السلام عند الله ، فإن محمداً صلى الله عليه و آله وسلم أفضل من علي عليه السلام ، وعلى علي عليه السلام أفضل من الحسن عليه السلام ، والحسن عليه السلام أفضل من الحسين عليه السلام ؛ لقول أبي عبدالله الحسين عليه السلام من جملة كلامه لأخته زينب ، وهو يسليها : >> إن جدي خير مني ، وإن أبي خير مني ، وإن أخي خير مني << .والحسين عليه السلام خير من أبنائه بلا إشكال .
وأما القائم ( روحي فداه ) ؛ فعنهم – أي : الأئمة الثمانية عليهم السلام - : >> قائمنا أعمالنا << ، >> قائمنا أفضلنا << .
وأما فاطمة عليها السلام : فهي رتية متأخرة عنهم ، ولو أنها وسائر المــعصومين من نور واحد ، ولكن الذكر رتبة أقدم من الأنثى ، وهذه المقدمة هي في عالم الأنوار ، فالأفضل مقدم على المفضول في الوجود ، لا في الولادة البشرية .
كما أن محمداً صلى الله عليه و آله وسلم تأخر في الولادة البشرية عن سائر الأنبياء والمرسلين ؛ وقد تقدم عليهم في عالم الأنوار .